ليس للفقير أن يحلم-قصة قصيرة

10-04-2009

ليس للفقير أن يحلم!                
                                 قصة قصيرة
                                              
لم تكن تملك ثمن تذكرة الحافلة فاضطرت للسير مسافة طويلة حتى تصل  إلى منزلها في أطراف المدينة . في الليل الماطر وحيث أضواء الشوارع خافتة تهجم الذكريات إلى الرؤوس المنكسة المثقلة.
رذاذ خفيف يتساقط بخفة العيسوب ، وهي تجهد نفسها بالسير السريع محاولة أن تتجنب المطر تحت مظلات البيوت أو في مواقف الحافلات .
أحيانا كانت تسير على الرصيف وأحيانا يتقلص الرصيف أو يختفي فتضطر للمشي في عرض الشارع ، وكلما سمعت صوت سيارة أو رأت أضواءها خرجت من الإسفلت باتجاه التراب المشبع بالماء.
بعض البرك المائية الصغيرة تشكلت في الحفر المنتشرة في الشارع المؤدي خارج المدينة ، فلم يسعفها حذرها من رشاشات الماء التي كانت تنطلق كلما قدمت سيارة مسرعة باتجاهها .
إحساس بالقهر والضعف هو الشعور الذي راودها بعد أن اتسخت ملابسها الصفراء المشوبة بالحمرة تلك التي استعارتها من جارتها لتستطيع أن تغير الطقم الأزرق الوحيد الذي ذهبت فيه إلى الشغل مرارا وتكرارا .
شتمت المطر والشوارع والحافلات والمشي وأوضاعها البائسة وأسعار اللحمة المرتفعة والفضائيات والدعايات، ولكنها ما زالت تحلم بالغد والتغيير وخطيبها ورفقة آنسة مع زميلاتها في العمل وهدوء البال والاحوال.
 أم بلا معيل لها غيرها وخمسة أخوة صغار تركهم والدها لترعاهم هي وحدها، وكأن القدر كتب عليها أن تكون أما لإخوتها وأما لأمها المقعدة أيضا .
في وضع آخر كانت لتحب المشي ، فهي رشيقة ممشوقة القوام كثيرا ما تهتم بالحمية ونوع الغذاء خاصة ذاك الياباني المدعو (مايكروبيوتك) ، ولا تمل من التمارين الرياضية ، ولكن في هذه الليلة الوضع مختلف .
في نهاية الشهر يكون المعاش الذي تقبضه قد ودع جيوبها واستدانت فوقه ما يماثله ولكن لا تفارقها البسمة وسلسلة الأحلام والحمد لله . في هذا اليوم عندما بحثت عن ثمن تذكرة الحافلة في حقيبتها لم تجد المبلغ ، وخجلت أن تطلبها من أحد زملائها فعزمت على المشي .
شقراء ذات عيون خضراء في بداية الثلاثينات عزباء ذات قد نحيل ، طويلة بأسنان ذات اصطفاف جميل لا يحتاج لعمليات جراحية أو تقويم أسنان ذات بسمة رائعة وتقاطيع وجه لطيفة غير بارزة، بلا حبوب أو بثور، وعينان شبه منحرفتان كعيون اليابانيين ، وهي بذلك تعد أنموذج المرأة الجميلة .
وقفت السيارة بهدوء في جانب الشارع الأيمن، ونزل منها ثلاثة شباب ركضوا كالبرق ، واتجهوا نحو الصراف الآلي حيث كان رجل مسن يسحب مبلغا من المال.... وبحركة سريعة استطاعوا أن يسرقوا المبلغ من بين يديه ويلقوه أرضا ، ويركبوا سيارتهم وينطلقوا بسرعة .
كانت تسير في الطرف الآخر من الشارع ، وهي تحدث نفسها كيف ستحقق طلبات أخوتها الصغار وهم ثلاثة دون العاشرة، والاثنين الآخرين كانا في العشرينات ولكنهما لا يتحملان المسؤولية حيث تكثر طلباتهما ويمتنعان عن العمل ، ولا ينفكان يترددان مع أصحابهما بين المقاهي والمجمعات التجارية غير آبهين بآلام أمهم أو جهد أختهم.
كانت واقفة في زاوية مظلمة من الشارع على عكس اللصوص الثلاثة . أثناء لحظات السرقة... كانت شاردة الذهن ولكن لا تفارقها الأسارير المنفرجة وهي تدير الأفكار في رأسها المنكس تتتبع مواطئ قدميها كي لا تزل، إلا أن صراخ الرجل المسن نبهها فالتفتت نحو مصدر الصوت..آه، ماذا يحصل؟ .
تفاجأت بالحركة والصراخ إلا أن المفاجأة الأكبر .... أنها تعرفت على أحد اللصوص الثلاثة .............. ؟! لقد كان أخوها الكبير . تعرفت عليه رغم القناع الذي يرتديه من السروال الذي يلبسه فهو الذي اشترته له منذ أيام وعرفته من حركاته البهلوانية الظريفة التي يستخدمها في البيت، ولم يتورع عن استخدامها في خفة الحركة التي سرق فيها المبلغ ويغطي عليه الاثنان الآخران .
- السلام عليكم .
- وعليكم السلام .
- محمود  موجود ؟
- لا . خرج إلى السوق .
- لطفا ، قولي له: جميل مر عليه .
أعجبتها كلمة لطفا ، وتكررت زيارات جميل إلى بيت أبو صلاح الله يرحمه، وتكررت لقاءاتها الخاطفة به، وتبادلا معا النظرات والابتسامات ومجموعة من الجمل والمجاملات حول الطقس والشغل والحافلات وارتفاع الأسعار والجيرة وأفضل محلات الملابس، والمايكروبيوتك وفول الصويا والتوفو......، حتى جمعتهما الألفة والتفاؤل بالمستقبل.
  عيون وادعة ولكنها حيرى ، ورغبة في المشاركة والتواصل ، ومشاعر مودة سرعان ما جمعت بينها وبين جميل ولم ينقض شهور خمسة حتى خطبها .
كان كل من محمود وجميل وأخيها المراهق أيضا هم ثلاثي العصابة التي سيطرت على الحيّ فأرعبته سرقة وخطفا.
       في تلك البقعة المظلمة من الشارع وهي تقف مشدوهة وقد بللها المطر والطين ، تبخرت كل أحلامها وغطست في بحر دموعها فليس للفقير أن يحلم
.

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر