موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

لا يا أبو الممتقع-قصة قصيرة


لا يا(أبو الممتقع)!
                              قصة قصيرة
                                              
   بشق الأنفس استطاع أبو القعقاع أن ينهى دراسة الثانوية العامة ، نصف علامة فقط كانت كفيلة بضمة لركب الناجحين في التوجيهي ، نجح رغم أن والديه كانا فاقدين الأمل بنجاحه نظرا لأنه انتمى لجماعة من (الصيّع ) الذين كانوا يقضون أوقاتهم بالتسكع في الطرقات ومعاكسة  خلق الله ولعب الورق، فلا دراسة ولا يحزنون.
أبو القعقاع رغم انه صبي مراهق إلا انه تسمى بهذا الاسم حتى طغى على اسمه الأصلي فلم يعرف إلا به . كان شابا وسيما حباه الله بجمال الوجه والجسد ، وعمل جاهدا على تنمية جسده من خلال رياضة كمال الأجسام . كان يلبس ما خف من الثياب ، كي يظهر جسده المشدود وعضلاته البارزة .
في المرحلة الثانوية واثر الانقلاب في غزة، شاهد أبو القعقاع (غزوات الأبطال ضد الكفار)، واطلع على الكثير من أفكار التنظيمات الدينية فانتمى لحركة حماس.... التي تركته لشأنه الشخصي، ولم تضغط عليه في ممارساته التي يراها هو وصحبه من مشمولات مرحلة المراهقة، فهم يريدون منه قوته الجسدية وقدرته على البطش فقط ولا شأن لهم بما يفعل كما قال له الشخص الذي أدخله الدائرة الحزبية .
بعد الانتهاء من مرحلة الدراسة الثانوية ، لم يجد أبو القعقاع أي عمل ، فالأعمال في غزة بعد الانقلاب شبه معدومة والمتوفر منها غير مزدهر إلا لمن انخرط بفعالية بوظائف حماس التي لا تعدو التهريب عبر الأنفاق أو المليشيات المسلحة أو فرض الإتاوات على التجار والناس وترويعهم، ولأن أسرته في حالة فقر مدقع كما هو حال معظم سكان المعسكرات في القطاع المنكوب قام بطرق الأبواب عند أكثر من مسؤول في حكومة حماس الذين قابلوه بالريبة والتشكك أن يكون عاملا أو عميلا في حركة فتح أو أي من التنظيمات (العلمانية والكافرة الأخرى) رغم إشارته لهم أنه منتمي لحماس منذ مدة .
الجماعة التي ارتبط بها -بعد النصف الدرجة التي التي رفعته لمصاف الناجحين- كانت من ذوي اللحى والسراويل الأفغانية فارتبط بهم لحية وسروالاً ، وان لم يستطع أن يتخلص من عادات التسكع ولعب الورق التي بدأ يخفيها عن جماعته الجديدة. زكته الجماعة الجديدة لأحد قيادات حماس المسمى (أبو الممتقع) فانضم مقاتلا في المليشيا التابعة له ، وان بعد جهد جهيد ورجاءات وحلفان وغداء وسمن بلدي وجميد.
 كان أبوالممتقع حفظه الله ورعاه ومن الجوع وقاه وجعل صحن السماقية مثواه.... لشدة حبه لهذه الأكلة الشهية كما يردد أتباعه حين ذكر اسمه، كان رغم بطنه الكبير وقصره الملحوظ مقاتلا شرسا-كما يقول أعوانه- لا تأخذه في الحق ضد المرتدين لومة لائم ولا زجرة قائم ، فهو للحق دائم وتعرفونه في الوغى وعند الولائم، وقائدا (تتدحدل) حوله عشرات المرافقين المسلحين حتى الأسنان.... أن الكفار والمرتدين بين صفوفنا بغزة في كل مكان هكذا كان يردد دوما أبو الممتقع، وعليه يحتاج كل قائد إلى طن من الأسلحة ورتل من السيارات ومجموعة كبيرة من الأحجبة وعدد متزايد من المرتزقة أمثال أبو القعقاع لحمايته.
  شيئا فشيئا بدأت علامات التغير الكبير تظهر على الشاب مفتول العضلات أبي القعقاع لا سيما بعد طول مرافقته لأبي الممتقع القائد الهصور والأمير المنصور كاسر الأرجل والظهور، إذ بدأ يكيل التهم لوالديه، وبدأ يلقي الأوامر في البيت: التلفزيون ممنوع ، وغطاء الوجه فرض واجب حتى على أمه التي جاوزت السبعين من عمرها ، وبدأ يمنع أخواته من الخروج من المنزل خوف الرذيلة والسقوط ؟!
دخل ابو القعقاع في مرحلة اختبار أوّلي إذ طلب منه الأمير أبو الممتقع أن يعتقل أحد الكفار من حركة فتح وشدد عليه: إن قاومك ذلك المرتد أطلق النار على ركبتيه..... ففعل أبوالقعقاع ذلك دون سؤال أو جواب فالفتوى جاهزة والحمد لله ، ولكنه في المرة الأولى فعلها وهو ما بين غاف وصاحٍٍ .
كان محمد الكافر من حركة فتح صديق صبا لأبى القعقاع ولم تنفع معه رجاءاته وحلفانه برأس أمه في ان لا يطلق عليه النار رغم عدم مقاومته للاعتقال، فطاعة أولي الأمر واجب شرعي..... لقد أصبح أبو القعقاع شخصا آخر ...... مشاهد القتل المتكرر والدماء المتناثرة ومئات الجثث التي صاحبت الانقلاب في غزة أو ما اسماه الأمير أبو الممتقع (الحسم العسكري) قدت قلب أبي القعقاع من حجر حتى على أمه التي أصبح يشتمها ويتهمها بالفسق لرفضها غطاء الوجه ، وحتى على أخواته بحيث لم يتورع عن  ضربهن بقسوة حتى الكبرى هي وخطيبها لمجرد انه جلس معها في البيت وبحضور والديه .
لم يكد أبو القعقاع يتشرب ثقافة التكفير والردة والقتل -المرتبطة بالجهالة والفقر وغسيل الدماغ- (لحكومة رام الله وأذنابها من الخونة والكفار) في غزة حتى صدم بمدى قوة تمسك الأمراء من حماس بالحكم والكرسي بل ومقابلاتهم واحتفائهم بالكفار الأجانب الذي بدأوا يزورون القطاع، بل وحوارهم في القاهرة مع المرتدين من فتح.
 لم يستطع أبو القعقاع الشاب الثائر المنتصر لدينه -ورغم نصف العلامة التي أنجحته في الثانوية العامة- لم يستطع أن يفهم الحكم الشرعي بالديمقراطية التي تسمح للآخرين بالحكم دون سلطان الله وتعنى العلمانية في ذات الوقت ، ولكن الأمراء في حماس يستخدمونها؟! ولم يستطع أن يفهم كيف لا يطبقون الشريعة والحكم بأيديهم !! ولم يستطع أن يفهم كيف يُترَك المرتدين بعد تعذيبهم في السجون ويطلق سراحهم ؟! ولم يستطع أن يفهم كيف يطلب منه أن يمنع المجاهدين من إطلاق النار على اليهود من حدود القطاع؟! كما لم يستطع أن يفهم كيف يصرّح أمراء حماس أنهم الأجدر بالتفاوض في رسائل متتابعة إلى الأمريكان والإسرائيليين؟؟! ولم يغمض له جفن عندما رأى قادة حماس يسلمون على كفار فتح في القاهرة؟ بل ويضحكون معهم دون براء أو استعلاء ودون أن يضعوا الخنجر في صدورهم بدلا من الحوار معهم!!
  أبو القعقاع بعد عدة غزوات متسلسلة انتصر فيها وزمرته ضد الكفار والمرتدين في القطاع؟! انتقل فعليا من حالة التسكع في الشوارع ومغازلة البنات ومعاكسة الناس ولعب الورق إلى حالة  من التدين المقيت والتعصب الأعمى الذي وصل لحد (البراء) من المجتمع الجاهلي كافة و(الاستعلاء) عليه ، لقد وصل إلى حالة تجاوزت الكثير مما يراه أمامه من قيادات حماس السياسية التي زلت وفرطت بالقضية وسقطت في شرك السلطة فخانت الإسلام والمسلمين وبدأت تحبو على درب فتح في الديمقراطية والسياسة والعلمانية.
لقد استطاع أن يتجاوز بكل ذلك حالة الفقر والحاجة التي طوقت رقبته عارا أمام أقرانه، واستطاع بعدوانيته ومسلسل القتل الشرعي الذي قام ببطولته مع زمرته أن يتجاوز النصف درجة التي جعلته يعبر بصعوبة من باب السقوط الى باب النجاح في الدنيا والآخرة كما يظن؟!
عندما أعلن الشيخ الإمام عبد اللطيف آل موسى -كما يلقبه أتباعه- الإمارة الإسلامية في رفح طار قلب ابوالقعقاع معه ، وكاد ان ينفجر فرحا، فالنصرالكبير قد أقترب والجنة موعد المؤمنين والخلافة الإسلامية على مرمى حجر.... حتى أتته الأوامر المباشرة من قبل القائد القصير ذو البطن الكبير أبي الممتقع شخصيا: اقتل الخنزير أبوالنور ومن طالت لحيته عن قبضة اليد ؟!  وألحقت الأوامر بأوامر أخرى :اقتحموا مسجد ابن تيمية واقتلوا من فيه..ولا تأخذكم بالحق لومة لائم؟! أي حق هذا:قال أبو القعقاع.
كانت الصدمة كبيرة على أبي القعقاع فلم يستطع أن يفهم كيف يقتل مسلما! وكيف يقتل شيخا وكيف يقتل من أعلن الإمارة الإسلامية التي نسعى لها؟! وكيف يقتحم مسجدا ؟! قتلنا أبناء فتح لأنهم يستأهلون فهم كفرة ومرتدين وخونة، ونهبنا مكاتبهم فهي غنائم لنا؟! وقطعنا أرجل المئات منهم والله لا يردهم ؟! وسجنا من بقي منهم فهم يستحقون، أما أبو النور شيخنا المؤمن وصديقنا وحبيبنا فكيف ذلك؟!
 تجمد من هول الحدث وامتقع لونه حتى لاحظ ذلك صحبه ....تلفت يمنة ويسرة حيث يحيط به زملائه من مرتزقة الأمير أبوالممتقع (حفظه الله ورعاه) متخذين مواقعهم القتالية .... ونظر للقذائف تدك المسجد الحزين ، ونظر لأشلاء الجثث تتناثر ذات اليمين وذات الشمال بلا سبب أو دليل شرعي...... فامتنع عن الاستجابة للأوامر؟! وصرخ: لا، لا يا أبو الممتقع.

يقول تقرير منظمة العفو الدولية (الأمنستي) عن مذبحة رفح التالي:
«أصيب في الأحداث 286 منهم 75 من حماس 43 من جند أنصار الله، جميعهم اعتقلوا رغم إصابتهم، ولا يعرف مصيرهم، منهم 66 تم اقتحام منازلهم وإطلاق أعيره نارية على ركبهم من الخلف من قبل حماس، و102 أصيبوا جراء القصف العشوائي بقذائف الهاون والـ «آر بي جي» من قبل حماس في المنطقة المحيطة بالاشتباكات». ويضيف «الشرطة منعت الصحافيين أو أي شخص من الاقتراب من أي مستشفى في القطاع لمدة 48 بعد الاشتباكات»، وأنه: «لم يُسمح بالصلاة على أي من قتلى جند أنصار الله، وسمح فقط لـ 5 من عائلة كل مقتول بالدفن، كما تم منع إقامة أي بيت عزاء».
ووفق التقرير فإن المسجد « قصف بـ 25 قذيفة هاون»، وأن: «الذين كانوا في سيارات الإسعاف قد خرجوا من مخابئهم بعد أن تم ترتيب اتفاق وساطة عن طريق الصليب الأحمر بتسليم أنفسهم إلا أنهم أعدموا».
  ووثق التقرير قائمة غير حصرية بأسماء 28 شخصا قضوا في تلك الأحداث الدامية، وظروف مقتلهم أو «إعدامهم بشكل وحشي». ومنهم من تم إعدامه: « في سيارات الإسعاف الحكومية وسيارات الإسعاف التابعة للصليب الأحمر، ومنهم من قضى من المارة، أو نتيجة إطلاق النار العشوائي أو بقذائف الهاون، أو نتيجة الاشتباكات، أو أعدم مباشرة بعد أن سلم نفسه، أو برميه بالرصاص داخل المستشفى، أو بتفجير».
  ما كاد أبوالقعقاع المصدوم يتلفظ بكلمة الرفض لأوامر أبو الممتقع ملحقا إياها بسيل من الشتائم ضده وضد حماس ، وضد قيادة حماس السياسية التي خانت وكفرت وارتدت وقتلت المؤمنين بغير وجه حق...... حتى كان  وجهه الجميل وجسده المشدود قد شوه كما حصل مع أبي النور، وجثمانه في أقل من ثانية أصبح ممددا إلى جانب أصدقائه وأصدقاء زمرته أو ممن كانوا أصدقاء... من جماعة أنصار جند الله، وأفرغت جميع طلقات رشاشه الشخصي في رأسه دون رحمة ما عاد يعرفها هو أو الأمراء كأبي الممتقع .
 

 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر