موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

ياسر عرفات: تاريخ من صنع يديه 2


ياسر عرفات: تاريخ من صنع يديه 2 

نشأة حركة فتح
استثمر ياسر عرفات مساحة الحركة الواسعة في الكويت في الاستقطاب والتحشيد لفكرة التنظيم الوطني الذي يلقى جانبا بكل أردية الأحزاب تلك التي رفعت الشعارات عاليا، وجعلت من الفعل لمصلحة فلسطين آخر ما تفكر فيه ، بل واستخدمت معظم هذه الأحزاب تلك الشعارات في الانقضاض على الحكم في الدول العربية خاصة في كل من سوريا والعراق جاعلة قضية فلسطين حصان طروادة لقلوب شعوبها حيث سرعان ما نكصت و أبقت الشعار مفرغا بلا مضمون.
عادل عبد الكريم اسم كبير في تاريخ حركة فتح ، ورغم انه لم ينل حظه من النجومية في تاريخ الثورة إلا انه كان من المؤسسين الكبار الأوائل مع ياسر عرفات وخليل الوزير والعشرات الذين عاصروهم أو لحقوهم فهو على سبيل المثال كان حاضنة صلاح خلف وغيره ممن انضموا للحركة. أن هذا الرجل يعد بحق إلى جانب ياسر عرفات عقل الحركة ومبدع فكرها الوطني التحرري الاستقلالي.
 في الكويت كان لقاء الرجلين وإخوانهم وعلى سواحل الخليج العربي أبدعوا الفكرة حيث أصبحت (فتح) مركب النجاة للشعب الفلسطيني من اللجؤ والتشتت، و(العاصفة) ذراعا عسكريا أين اجترح الاسم أبو عمار مع أبي يوسف النجار حفاظا على الحركة في حال الانطلاقة العسكرية التي سيتبعها اعتقالات وملاحقات وهو ما حصل عام 1965 بل قبله في العام 1964 .
لأنك لا يمكن أن تلم بتاريخ هذا الرجل الفريد في مقال واحد فان النظر له من محطات متعددة يبقى الفرصة مفتوحة لرؤيته بشكل أكبر ، وليعذرنا القارئ  عن عدم القدرة على الإحاطة بشخصية فذة كشخصية ياسر عرفات بالقليل من الحبر.
(كان ياسر عرفات الفصل الأطول في حياتنا ، وكان اسمه أحد أسماء فلسطين الجديدة الناهضة من رماد النكبة إلى جمرة المقاومة إلى فكرة الدولة ، وفي كل واحد منا شئ منه ) هكذا لخص الراحل محمود درويش عبقرية ياسر عرفات ما لا يستطيعه إلا بليغ كمحمود درويش.

الاستقطاب حول فتح
منذ العام 1957 حتى العام 1964 قضى ياسر عرفات – وزملائه – زمانه في الاستقطاب حول الفكرة الجديدة فكانت الاتصالات متتابعة مع الأنوية الصاعدة في كل من دول الخليج وفي مصر والأردن وكل من الضفة وغزة ، وفي ألمانيا والنمسا تحديدا من الدول الأوربية ولما اختلف ياسر عرفات مع صحبه حول الانطلاقة وعلى موعدها صنفوه في تيار المجانين الذين سيشعلون ثورة دون موارد مالية من أحد ، لكنه كان ما يريده تماما أي أن تكون الانطلاقة بأيد فلسطينية وأموال أعضاء التنظيم كي يسقط شبهة الاحتواء لأي دولة عربية أو غربية منذ البداية وهذا ما حصل . رغم الاتهامات العديدة والاعتقالات التي أعقبت الانطلاقة في فجر الفاتح من يناير عام 1965 . 
       ياسر عرفات شخصية فريدة ألهمت المناضلين في كل أنحاء العالم قاطبة ( لقد كانت حماسته وثقته لا تتزعزع ، والتزامه بالكفاح من أجل إقامة الدولة الفلسطينية تشكل قيما رمزية في نظر الكثيرين في العالم ) مضيفا ( وكنت أتابع نشاطات الرئيس ياسر عرفات من غياهب سجني وكم أثارني بثباته ومثابرته ) كما يقول عنه المناضل الإفريقي الرئيس (نلسون مانديلا).
       وحتى يصل بقضية للفضاءات الرحبة نسج خيوطا من العلاقات العربية والعالمية لأنه أدرك أهمية هذا العامل كما أسلفنا، وكان يتحين الفرص للقاء الزعيم جمال عبد الناصر ما حصل فعليا في أواخر العام 1967.
اللقاء بالرئيس جمال عبد الناصر
      قام الكاتب العروبي الشهير محمد حسنين هيكل – كما يروي – بترتيب اللقاء بين ياسر عرفات وصحبه( صلاح خلف – أبو إياد ، خالد الحسن، هايل عبد الحميد، فاروق القدومي ) والرئيس جمال عبد الناصر فينكسر بذلك عامل الجفاء والتشكك المصري الذي أحاط بانطلاقه حركة فتح وتبعيتها، وكان لقاء وديا وحارا طلب فيه الرئيس عبد الناصر من أبي عمار أن يشعل حرائق في المنطقة بينما يجهز لحرب التحرير، فأجابه أبو عمار أنه سيشعل ثورة وهذا ما كان . والذي دعى جمال عبد الناصر ليقول ان هذه الثورة وجدت لتبقى وأضاف عليها أبو عمار ولتنتصر.
      لقد كانت حركة أبو عمار حركة دءوبة والتزامهلا يتزعزع لذلك لم يترك بلدا أو وفدا أو مهرجانا أو مؤتمرا أو احتفالا إلا اثبت فيه حضورا لفلسطين، فلقد كان يؤمن بالحضور الدائم ويرفض فكر القطيعة حتى مع خلافات كثيرة مع الأصدقاء والأشقاء إلا أنه سرعان ما يمد جسور التفاهم ثانية كما حصل مع السوريين الذين لقي منهم العنت والظلم والقهر الشديد ، ومع النظام المصري الذي فتح له باب العودة للأمة العربية أثر خروجه من حصارطرابلس عام 1983 متوجها إلى مصر.


       أن ياسر عرفات الذي بفتحه صفحة بيضاء من العلاقات مع مصر استطاع أن يؤمن دعما معنويا وماديا ضخما من مصر أو عبرها منذ البدايات .
        لقد اصطحب الرئيس جمال عبد الناصر الاخوة ياسر عرفات و وصلاح خلف  بجوازي سفر مصريين إلى روسيا وفي لقائه مع نظرائه الروس طرح الرئيس ناصر فكرة التعامل مع حركة فتح ولكن الروس لم يكونوا متشجعين وحاولوا أرجاء الموضوع إلى أن يلتقوا مع ممثلي فتح، فقال لهم جمال عبد الناصر ان ممثليهم ضمن الوفد فالتقى الوفد الفلسطيني برئاسة المصري محمد عبد الفتاح الاسم حسب الجواز حينها لأبي عمار مع القيادة الروسية وعكس قدرته على الاقناع عليها وتدفق اثر هذا اللقاء الهام السلاح السوفيتي للفدائيين والدعم المالي من السعودية.

عرفات والتخفي والدبلوماسية!
        لقد كان التخفي ضمن عباءة أخرى سمة من سمات الدبلوماسية العرفاتية فهو ذهب إلى وارسو عام 1954 لحضور مهرجان الطلبة العالمي ضمن الوفد المصري كما هو الحال لاحقا مع الرئيس ناصر عام 1968 الى موسكو، شارك في مؤتمر افريقي قاتل فيه عن القضية عام 1957 ضمن الوفد السوداني ، وخرج من الأردن اثر أحداث أيلول المؤسفة بعباءة كويتية ، وفي واشنطن شارك فلسطينيا في إطار الوفد الأردني – الفلسطيني المشترك ، وكان أن قام بعملية تخفى متقنة عندما دخل طرابلس لبنان قادما من تونس اثر حصار القوات السورية والمنشقين لقواته حيث ربض الليث خليل الوزير .
       لقد سعت الدبلوماسية العرفاتية لتحقيق أمرين رئيسيين الأول: تحقيق الاعتراف العربي والإقليمي والعالمي بالقضية الفلسطينية ثم بالمؤسسات الممثلة لها من حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية والثاني: ضمان الدعم بأشكاله من كافة الأوساط ، لذلك اتبع نهج (فتح) الأصيل بعدم التدخل في شؤون الدول العربية الداخلية وفي المقابل رفض بشكل قاطع محاولات السيطرة أو الهيمنة أو احتواء القرار الفلسطيني المستقل.

عرفات الجنرال
       عرفات الجنرال كما يشير إليه زميله القائد العروبي هاني الحسن إبان حصار بيروت ثم حصار المقاطعة عام 2001 هو القائد العسكري الذي خاض نضالات عدة في فلسطين عام 1967 أثر قيامه  بتنظيم خلايا العمل المسلح حينها حيث قصف الاحتلال الاسرائيلي مقر اقامته في فندق الوحدة في رام الله وأماكن تخفي أخرى، ثم في حربه التي دخلها قسرا ضد النظام الأردني عام 1970 ، وفي حرب دفاعه عن تواجد الثورة في لبنان في أتون المعركة اللبنانية حتى العام 1982 والعام 1983 وحروب  المخيمات اللاحقة حتى العام 1987 ، وحروبه كجنرال محنك ضد الإسرائيليين عبر مئات العمليات التي نفذت عبر البر والبحر والجو كان في ذلك كله لا يبتغي الموت بل يسعى نحو السلام القائم على الحق والعدالة فلم يكن يطلق قذيفة بهدف القتل أو الإيذاء وإنما تحقيقا لحلم أو دفعا لبلاء ما هو في مصلحة الشعب الفلسطينيين والقضية الفلسطينية.
      هذا غيض من فيض من معين القائد ونهره الدفاق نهلنا منه ربما شربة ماء قد لا تطفيء ظمأ ولكنها تبقينا على قيد الحياة ولنا أن نشرب  أكثر في أيام حر قادمة.

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر