صلاح خلف وصوت القائد الصادق

21-01-2012

صلاح خلف وصوت القائد الصادق

 

 

بعض (القيادات) لها سحر، لها بريق، لها جاذبية، لها كاريزما لها شبه قدسية، لها تأثير يتجاوز الجماعة ليطال الجماهير. ومثل هذه القيادات قليلة جدا، وتخرج في حقيقة الأمر عن خصائص القائد العادية لتدخل في باب (الزعيم) أو القيادة الكاريزمية أو المهابة. ولأن الزعماء من القادة قلة فإن التعرض لسير بعض منهم لا يعني بالضرورة الإقتداء بهم فيما هو خارج نطاق الملموس أو غير المقدور عليه، وإنما يمكن تفهم شخصياتهم في مجالات الجاذبية التي جعلت منهم منتهى أمل الآخرين أو محرك لأفئدة وعقول الجماهير أو من السهل على الناس أن يضحوا بالكثير من اجل هؤلاء أو من اجل ما يدعون له.

نطاق الزعامة فيه من السحر والتأثير على الجماهير الشيء الكثير ولأنه بمؤثرات جماعية فقد يكون التأثير سلبيا وقد يكون ايجابيا فزعيم مثل موسوليني قاد بلاده إلى الهاوية، ولكنه يبقى زعيما استطاع استنهاض أمة ودفعها إلى الهزيمة، وفي المقابل ظهر من القادة الزعماء في العصر الحديث غاندي، لينين، نهرو، مارتن لوثر، جمال عبد الناصر، تيتو، ديغول، ياسر عرفات، صلاح خلف.

لربما تحدث الكثيرون عن الكثير ممن ذكرنا من الشخصيات ولكن صلاح خلف (1933-1991) القائد الفذ والشخصية الكاريزمية والمفكر السياسي (العملاني=البراجماتي) الكبير والمسئول التنظيمي يعد نموذجا للزعامة كما يعد نموذجا للقيادة. فصلاح خلف المعتدل القامة غير طويلها،الأصلع الشعر المتين الجسد مع امتلاء لم يؤثر في مرونة حركته، ذو الشراهة في التدخين وشرب القهوة، العابس، الباسم، الصارم، الضحوك، المحافظ، التقدمي، الإنسان، الحريص، الأمين، السياسي المحنّك، الخطابي البارع، رجل الاستراتيجية والتكتيك، الحذق، المناور، المحاور، المداور عرفناه ونعتز بالتعلم منه. لم يكن صلاح خلف (أبو إياد) طويل القامة ولم يكن يتمتع بجسد رشيق ولم يكن ذو شعر كثيف ولم تدل تقاطيع وجهه أو جبهته على جمال أخاذ ومع كل ذلك كان ساحرا جذابا مثيرا للزوابع والعواصف حيثما حل وأينما رحل.

صلاح خلف القائد كان كتلة من الإيمان الصادق، والمشاعر الصادقة، والعقل الصادق، كان يتحرك بفعل هذا الصدق الظاهر في حركاته وسكناته وانقباضه وانبساطه، في عيونه وفي حركات يديه وفي تقطيب جبينه وفي طريقة إمساكه بالسيجارة وفي رنة صوته وفي طبقات صوته وفي طريقة خطابه عامة، في تعامله مع مرؤوسيه كوادره، كوادر التنظيم والجماهير. كانت الآلاف والملايين تشتاق لسماع صوته وللقائه والانصات لما يقول وكأنه يغني ويطرب أو يرتل فيشجي، لأنها وضعت فيه ثقة غير محدودة نبعت من اعتقادها بصدقه، وشعورها بصدقه الذي عبر عنه بكافة الأشكال معاملة ومحادثة، نفسيا وجسديا، فكرا وإيمانا... أعطى الناس صدقا فأعطوه ثقة، وأعطاهم فكر وأملا ومستقبلا فرسّموه قائدا وزعيما.

كان صوت صلاح خلف الجهوري الصاخب ذو البحة المميزة جوهرة، وميزة هامة من ميزات شخصيته كما كان لدراسته العربية وإتقانها تأثيرا فيه أصيل، وكان لتطويره موهبتة هذه أن أصبحت من سمات شخصيته بالإضافة لكل ما ذكرناه من سمات جسدية ونفسية وروحية.

كان صوت صلاح يعلن الحقيقة، ويتحرك في ملعب الجماهير ويسجل أهدافا لم يبلغها احد من رجالات الثورة الفلسطينية. وكان (أبو إياد) مع قدرته الجماهيرية الجاذبة، مهاب الجانب يتحرك في ركابه فريق عمل احترمه فحفظ له هذه الفريق الود، وحفظ له الوفاء وسار على دربه في مجالات عمل مختلفة وان كان أبرزها في التنظيم وفي الأمن.

في المجالس الوطنية الفلسطينية وفي احتفالات انطلاقة الثورة بشكل أساسي كان يظهر (أبو إياد) بلباسه المتواضع الذي لم يخرج عن بنطال وقميص أو بلوزة أو سفاري مميزا متألقا، يعدد المخاطر ويشرح الظروف، ويرسم الخيارات، ويحلل الواقع، ويطرح الرؤى ويصر على المحاججة ويريح السامعين فيما يريدون لأنه أتقن فهم المراد من احتياجات الناس والكوادر، وكان يتحرك في حديثه وكلامه بعينيه الحادتين، بيديه، وبرأسه كأنه (مايسترو) يقود (اوركسترا) مشكلة من جمل وفقرات وعناوين، أو كأنه فدائي يغني لبندقيته ولفلسطين أو كأنه طبيب يرسم لمرضاه طريق الشفاء.

في أحد المهرجانات التي أقمناها لتخريج طلبة الجامعة من الفلسطينيين في قطر عربي رفضت قيادة هذا البلد أن يتم التخريج في الجامعة وفي اللحظات الأخيرة. وكان الأخ القائد صلاح خلف أبوإياد المدعو الرئيسي لتخريج كوكبة الطلبة والطالبات فحدثناه في ذلك الرفض ونحن في قمة الاستياء والحزن والاحباط، فلم يهتز ولم ينفعل وفهم المراد فقال بضرورة أن يتم الحفل مهما كلف الثمن وكان القرار أن يتم في مقر منظمة التحرير الفلسطينية. جاء الأخ صلاح خلف (أبوإياد) وفي ركابه جيش من صحفيي البلد فقام يصدح على المنبر ويعبر عن العنفوان الشبابي الدائم حيث قرع المسؤولين في البلد وقال لهم: إن كنتم استثقلتم احتضان حفل للخريجين في جامعتكم خوفا وانهزاما فإننا سنحتفل في جامعاتنا في الوطن بخريجيكم بعد التحرير. وأخذ يعدد مساؤىء الحكومات العربية ويشير بالإصبع إلى حكومة البلد، والصحفيين يسجلون كل ما يقول . لقد عبر عن أحاسيس الطلبة وإحباطهم وأملهم فدوت القاعة بالتصفيق، وكان في اليوم التالي في ضيافة رئاسة البلد يتلقى الاعتذار.

في نماذج القيادة أو الزعامة كان صلاح خلف الرجل القدوة والرجل الصادق ورجل الجماعة العنوان. وان كنا قد تحدثنا في مقال سابق عن عباءات القيادة ذات الألوان الخمسة فإن تخير العباءة منها بحسب الشخص والموقف والتفاعل بين هذه العوامل كان من سمات صلاح خلف أيضا الذي كان يرتدي مع التنظيم العباءة البيضاء غالبا، ويرتدي في إطار مسؤوليته المباشرة كقائد للأمن الموحد (أي أمن منظمة التحرير الفلسطينية) العباءة الحمراء وكان يرتدي من العباءات الأزرق والأصفر مما ذكرنا ما يتعامل فيه مع المناوئين أو المناكفين أو المعارضين، ولكنه كان يتدثر بالعباءة السوداء القاسية مع أعداء الثورة ومناوئيها وقاتلي كوادرها في كافة المواقع فكان النضال الدءوب، والشخص ذاته في ادوار وعباءات عدة.

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر