الألفة والاستجابة في الاتصال القرآني

05-04-2013
  الألفة والاستجابة في الاتصال القرآني  
 

((ولا تقفُ ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد ، كل أولئك كان عنه مسؤولا)) (الاسراء 26).
في هذه الآية الكريمة دعوة واضحة للعلم ولحسن الاتصال معا ، فلا تقفُ (تتبع) ما لا تعلم فيه حض وحث على المعرفة والعلم ووسائله المباشرة وهي ذاتها أدوات الاتصال البشرية (السمع والبصر والفؤاد) لأنها تحت سيطرة وقدرة وألفة وتحكم البشر، وهو عندها وعنها مسؤول عن حسن أو سوء ادارتها بما يتواصل من خلالها.

     على ظاهر الآية كما يقول الشيخ بن باز ( فالله ينهى عن كون الإنسان يتكلم فيما لا يعلم (ولا تقفُ) يعني لا تقل في شيء ليس لك به علم، بل تثبت) مضيفا أن (الواجب على الإنسان يتعلم حتى يكون على علم، ويتبصر فلا يقول: سمعت، ولا يقول: رأيت، ولا يقول: كذا وكذا إلا عن بصيرة عن علم)


إن الكتاب الجامع المانع لأسرار الاتصال نجدهُ بين دفتي المصحف، وفي آيات الله عز وجل وآلائه، وهو اذ لا يخلو من اشارات متكررة في السمع والبصر والتفكر والتأمل والنظر هي بالعشرات فإننا من السهولة بمكان أن نستدل على تعريف الاتصالات الانسانية بل ومع الكائنات من آية موضع التركيز هنا برأيي في القرآن الكريم.

يقول الله تعالى ((انما يستجيبُ الذين يسمعون ، والموتى يبعثهم الله، ثم اليه يرجعون)) (الانعام 36) حيث يبرز للعيان مكونات العملية الاتصالية بترتيبها الذي يتعامل مع (النتيجة / الهدف / المرغوب) ألا وهو تحقيق (الاستجابة) الايجابية وهي استجابة حب وألفة وتصديق وإيمان، حيث " يتحد حسن الاستماع مع انفعال الحب لتنفيذ ما سمعه الإنسان "  ، فالآية اذ تقدم الاستجابة كرد فعل على الاتصال غير المذكور صاحبه صراحة ولكنه المفهوم، فإنها تقرن (الاستجابة) للمشارك أو المستقبل أو الطرف المتلقي ب (الاستماع) أو بالأحرى حسن الاستماع بحيث ان التركيز هنا على النتيجة "المتحققة" أصلا.

 و "الاستجابة " حسب تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي: هي: أن يجيبك من طلبت منه إلى ما طلبت ويحققه لك، بينما " الإجابة " هي: أن يجيبك من سألت ولو بالرفض لما تقول، وقد يكون الجواب ضد مطلوب ما سألت. 
 
        يقول الشاعر عمرو بن معد يكرب فيما يتعلق ويتصل بأحد المعاني في الآية الكريمة من حيث الحياة لمن يحسن التواصل المكتمل، والموت لمن يتعثر تواصله وعدم استماعه من الأصل ثم امتناعه عن الاستجابة :
لقد أسمعت لو ناديت حيا    ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نار نفخت بها أضاءت   ولكن أنت تنفخ في رماد

إن ما يسمونه في علم الاتصالات إرجاع الأثر أو رده الفعل أو "الاستجابة" هو عنوان تحقق هدف الاتصال المقصود من عدمه، لذا كانت الآية الكريمة تتحقق من مدى اقتران الاستقبال/التلقي/المشاركة وهي (السمع) بالاستجابة، وذلك لأن فيهما حسن التواصل أو التواصل المكتمل أو التواصل الأليف إن شئت تسميته، بل تحقق الحياة . إذ أن (الموتى يبعثهم الله، وهم حسب الطبري هنا:الذين لا يَتَدَبَّرُونَ حُجَج اللَّه وَلَا يَعْتَبِرُونَ آيَاته، ونقيس التعميم على ذلك في تأملاتنا ) حيث لا أمل فيهم لأن معادلة السمع = الاستجابة غير متحققة لديهم، ومع ذلك فإنهم يبعثون ليحاسبوا.

       
في الآية الكريمة مضامين اتصال فيضية كثيرة فإننا اذ نستطيع تركيب معادلة اتصالية منها يمكننا القول أن الإرسال (بمضمون القول أو الحديث الايجابي) + الاصغاء = الاستجابة المحققة للهدف + تقييم المرجعية (ثم اليه يرجعون) . وعليه فإننا من الممكن أن نستدل من ذلك على أن عناصر ]الاتصال المكتمل[ ما نستفيده بعمق التأمل من الآية الكريمة هي 5 عناصر كالتالي :

1. المرسل برسالة واضحة محددة مهدفة.

2. الاستقبال بحسن الاصغاء والألفة.


3. الاستجابة بالتبني والتصديق.

4. تحقق الهدف بالإحياء (عكس الموت) والتأثير.


5. التقييم المستمر لمدى الاستجابة.

 الاصرار الإلهي على منطق حسن الاتصال يأتي متكاملا مع آداب الحوار والموعظة الحسنة (الحوار والاقتراح وعرض الرأي والخيارات) ومتناقضا مع منطق ثلاثية الانتقاد والوعظ (الفج) والتحكم.

 الحالة التي تتلبس العديد من الناس وخاصة من يظنون بأنفسهم حصريا التدين أو العلم أو الخبرة أو الثورية او الوطنية او الاسبقية او التفوق أو البطولة ... الخ ، ما يعطيهم الحق لانتقاد الآخرين (بالزعيق والتشهير او بالشتم والسب ، علنا ، او بعدم غفران زلاتهم ، او بالحكم والاتهام) هي حالة ذاتية ترتبط حكما بالوعظ.

إن من يقرّع الآخرين دوما يهتاج من أقل معارضة تصدر بحقه، فهو المتفوق الذي من حقه القول دون مقاطعة في مجالها، ودون رفض من أولئك (السوقة أو العامة) وهم الأدنى منزلة (الذين بالنسبة له كل من هم ليسوا على شاكلته أو جماعته)، ويقرن انتقاده القاسي او السافر بلبس جبة العالم أو الفقيه او المناضل او الشيخ او القس أو القائد او الوجيه ... فيبدأ بالخطابة مدبجا كلامه بالنصائح الجبرية الملزمة قسرا (الوعظ) وكأن تقريعه او ملاومته او انتقاداته أصلا كانت في محلها او كانت منزّهة ومقدسة ليأتي لاحقا لها سيف الوعظ  الجبري أوالقاسي.

        وشذرة هامة هنا نقتبسها أيضا من تفسير الشعراوي إذ يقول في الآية الكريمة وفي "الموتى يبعثهم الله" :(وما دام هو سبحانه يحيي الموتى فهو لا يتطلب إيمانا جبرياً. إنما يطلب إيمان الاختيار والاقتناع.) وعليه فان عقلية الانتقاد اللاذع والوعظ الجبري الدلالة وأباهما التحكم ليست من الايمان أو حسن الاتصال في شيء.


إن الذات أولى لها أن تلوم نفسها (النفس اللوامة) فان اطمأنت (النفس المطمئنة) فإنها لا تستطيع بالضرورة أن تعكس مثل هذه الطمأنينة في الآخرين بمنطق الجبر او القسر ، لذا فان ثوب المشيخة او الرهبنة او النضالية..... ليس بالضرورة حافزا للآخرين على تقبل ما يتفوه به صاحبه مفترضا انه لا يجادَل او أنه يقول الصواب الذي لا صواب غيره.

 الانتقاد والتقريع واللوم المفرط أخ شرعي للوعظ الملزم المطلق، وهما معا كما أورد صديقنا الاستاذ الهندي (د. جيتيش أرورا) ابنا عقلية التحكم في الآخرين، متسائلا بمرارة أليس الأولى ان نتحكم بأنفسنا وإرادتنا ونترك للآخرين الخيار. 


(ولا تقفُ = تتبع ما ليس لك به علم) فكيف اتبع ما يقال لي بصيغ من (الانتقاد المر أو المخجل) المترافقة مع (الوعظ المقدس) وأنا أصلا لست مقتنعا بما يقول الشخص ناهيك عن عدم القناعة بشخصه هو المستند لسلوكه ومواقفه وتناقضاته التي أعرفها مع ذاته والآخرين.

إن مسؤولية الانسان عن ذاته (كل أولئك كان عنه مسؤولا) لا تتيح لأحد أي كان أن يظن أنه يمتلك الحقيقة الكاملة أو القول الفصل أو ما لا يجادَل به، فكلنا ابن آدم وخطاءون وكما قال خير البرية صلى الله عليه وسلم خير الخطاءين التوابون.

بعد هذه المداخلة المختصرة حول ]الاتصال المكتمل[ أود أن اطرق نقطة تتعلق بالاتصال المكتمل والمرتبط بتحقيق التآلف أو الألفة التي قد تكون وردت معنا عرضا فيما سبق.

إن الألفة او التآلف في التواصل يزيل الكثير من آثار الطاقة السلبية، ويعظّم من الطاقة الايجابية التي هي هنا (التقبل) أو (القبول) و(التأقلم)، وسأورد مثلا عن المتحدث أو الخطيب أو المحاضر أو المتكلم عامة الذي عليه للانتقال من خيمة الخوف الى خيمة الأمان فان له أن يحقق الأُلفة، وهي الحالة السابقة لتحقيق الأمان والشعور بالطمأنينة في 5 مفاصل.


لتستطيع التآلف مع المكان (مكان / منصة / قاعة ... الحديث) احضر مبكرا لتستطيع ان تتآلف وتنسجم مع المكان نفسه بطاولاته وكراسيه وسقفه وأبوابه وفرشه....الخ.

لتتمكن من قهر خوفك من الجمهور احضر مبكرا للقاعة أو المكان أيضا واختلط بهم أو قم بالتسليم عليهم أو عددا منهم ، أو حقق تواصلا بصريا أو كلاميا معهم أو مع بعضهم لتقضي مسبقا على افتراضات مسبقة لديهم او تحيزات او تحاملات ... وتشعر أنت بشيء من الطمأنينة.


لتألف الموضوع (المادة) لا غني عن الاعداد المسبق بحسن القراءة (عقلية الوفرة) في الموضوع ، وباستعراض ما ستقوله مرارا وتكرار أمام نفسك ، أو امام غيرك من المقربين أو أمام المرآة ...

لتتآلف مع ذاتك / نفسك قبل صعود الركح / المسرح/المكان، او الوقوف للحديث خذ نفسا طويلا (شهيق)ثم اطلق زفرتك ، وكرر ذلك... فان امتلاء الرئتين بالهواء عامل هام في شحذ الارادة والامتلاء بالايجابية ان شاء الله.


أما الأدوات المستخدمة في المحاضرة (مثل الحاسوب / جهاز العرض الضوئي / الشرائح/المذكرات ...) فان تمكنك من حسن استخدامها يفترض التعلم عليها مسبقا، كما يفترض الحضور مبكرا أيضا للتأكد من جاهزية وفعالية وصلاحية الاجهزة والأدوات والمادة التي كنت قد اعددتها مسبقا.

       إن مثل هذه الاقتراحات والمسارات، لا تغني عن العمل لاكتشاف طرق أو وسائل أخرى قد تكون هامة أو مؤثرة في تحقق الاتصال المكتمل أو المؤثر ما قد نكون لم ندركه أو نتعلمه.

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر