موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

(التلطف) و(حب) الله والوحدة الوطنية


 (التلطف) و (حب) الله، والوحدة الوطنية!
 

       كلما قرأت القرآن الكريم أجد الجديد دوماً ، وكلما طالعت الآيات الكريمة يتدفق الى ذهني رؤى ومفاهيم وأفكار وتأملات وحوارات ذاتية ترتبط بالآيات، وأيضا بالأحاديث الشريفة، وكثير من أقوال العرب والعجم، كما يرتبط بمستوى التفكير وطريقته ومتغيرات الحال.

       إن النظر للآيات القرآنية والنظر في آيات الطبيعة الإلهية والنظر في العلم والمعارف والأفكار ثلاثية ربانية يستطيع من يمتلكها أن يجد مفاتيح المغاليق من الأبواب ويستطيع أن يرسم ما لم تراه عين من قبل ، كما يستطيع أن يبهر العالم في ابداعاته واختراعاته وتجدده.

       إن الجديد الذي أحسست برغبة في طرقه والتعرض له في مقالتي هذه ينطلق من قراءتي المتجددة والمنبهرة لآيات قرآنية كريمة، أولها هي الآية التي تقول (إن الله يُحِبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص).

       والآية الكريمة الأخرى التي تتحدث عن أهل الكهف التي تقول في سياقها (.... وليتلطف، ولا يشعرن بكم أحدا.......) من الآية 19 في سورة الكهف ، وربطا متواضعا مني بحديث للرسول صلى الله عليه وسلم قال فيه مزهوا بأمته والبشرية (خير الناس أنفعهم للناس).

        وكانت مناسبة هذا التأمل قد انطلقت معي من عواصم ثلاثة هي أبوظبي والقدس وعمان.

       ففي أبو ظبي حيث أن التقدم والإبداع والتطور والنهضة في دولة الامارات العربية المتحدة قد أثارني للنظر في القيم والأسس والمباديء التي يستند اليها مثل هذا التقدم والنهضة الذي تفتقر له بلدان عربية أواسلامية أخرى، وفي عمّان كان لي تأمل ارتبط "بالتلطف" كما كان "الصف الواحد" من تأملات مدينة القدس الشريف حينما تشرفت بزيارتها وهي الدرة المكنونة والزهرة الميمونة.

     لم يكن للنفط أو الثراء الفضل في نهضة دولة الامارات العربية المتحدة ، فهناك دول نفطية أو ثرية ما زالت كابية تتعثر ولم تنهض بمستوى دولة الامارات ، وإنما بكل بساطة كانت النهضة فيها تعتمد على (الانسان-الناس)، فالمراهنة على الإنسان من خلال قيادة 1-ذات رؤية وتؤمن 2-ولها ارادة وتعكس ما تؤمن به لمصلحة الناس 3-فعلاً وعملاً  تثمر "رطبا جنيا"، و تطورا وتغيرا كما هو حاصل في هذا البلد الذي نفخر به.

       أقول ان البداية كانت هناك في أبو ظبي حيث النظر في مجريات النهضوية، والتي رأيت أنها استندت لحديث الرسول الكريم الذي يحض على خدمة الناس "كل الناس" وليس المسلمين فقط، لأن في ذلك " نفع " أو " منفعة " تؤدي الى " الخيرية ".

        فالنفعية لكل الناس جائزتها من الله عز وجل أن تكون كقائد أو حتى إنسان عادي لم يتبوأ موقعا أن تكون من " خير الناس" ، وذلك ما نطق به الذي لا ينطق عن الهوى سيد البشرية حينما قال : خير الناس أنفعهم للناس.

        هذا ما كان في " الخيرية " و" النفعية"، أما في مقام " التلطف " فلقد التقيت بصديق في عمّان شرح بشكل جميل تجربة فتح الله كولن في تركيا والتي استندت لثلاثة أسس أحدهما القضاء على الفُرقة (أي تفرق الأمة) من خلال ما أسماه " الايمان المتلطّف "، ولما سألت من أين جاء المصطلح أي التلطّف أشار الى الآية في منتصف القرآن في سورة الكهف والتي تصوّر أصحاب الكهف عند صحوتهم وماذا يفعلون فكان "التلطف" من أوائل همومهم كمؤمنين في مواجهة كفار.

      ذكر علماء المسلمين لطيفة كما يورد الشيخ د.ناصر بن فهد العمر(قالوا إن (وليتلطف) في سورة الكهف، هي وسط الآيات ما قبلها وما بعدها سواء، فقالوا إذاً ترسم منهج الوسطية، فهي {وليتلطف} وهي كلمة كما ذكر المفسرون، ما قبلها من آيات القرآن وكلمات القرآن وما بعدها متساوٍ، فهي في الوسط، {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} إذاً خذوا منهج الوسطية تلطفوا في حل مشكلاتكم مع الراعي والرعية).

        ويطالب الشيخ العمر الجميع من أفراد المجتمع بانتهاج سبيل "التلطف" ثم يعلق على الحراك العربي قائلا: (أقول للحكام تلطفوا مع شعوبكم، القوة لا تحل المشكلات مع شعوبكم، انظروا ماذا فعلوا في الثورات العربية، أرادوا أن يحلوا المشكلة بالتدمير، كيف كانت النتائج؟) مضيفا (لو تلطفوا مع شعوبهم وصدقوا مع الله، ما وصلت هذه الأمور إلى ما وصلت إليه)

       وفي مقام النظر والتأمل في " الحب " الذي هبط عليّ سخاء رخاء وبردا وسلاما وأنا أصلي في المسجد الأقصى المبارك لأول مرة حيث ناجيته وناجاني وشكوت له فأبكاني، في مدينة القدس عاصمة الوحدة الوطنية والقومية والدينية العالمية، تتعرض الآية الكريمة رقم 4 في سورة الصف الى سياق " النسق " أو"الالتزام " المطلوب من المسلم أو المناضل في سبيل الله  أي ضد الشيطان ونوازع نفسه، وضد كل المجاهل والمجهّلين والظلمة والمستبدين والمحتلين وضد الفقر والجوع والأمية....، بأن هذا "النسق" والفعل المنبثق عنه يكون في تنظيم-مؤسسة-جماعة " الذين-بالآية" وبغرض أو هدف سامي " في سبيله-الآية ".

        وفي سبيله أيضاً أسعى لحب أهل بيتي وإخوتي وأسعى لاحترام أساتذتي وأخطط ليومي وشهري وسنتي وأستخدم الشابكة ومواقع التواصل وأتعامل مع أصدقائي بود واحترام ... الخ، وفي سبيله أتعلم وأقاتل الجهل وفي سبيله أسعد غيري وأقاتل الفقر..... وفي سبيله أصلي بالقدس، وأجاهد....وفي سبيله امتلك الإصرار والقوة والشجاعة....، ونحن معا " صف-الآية " نمثل " بنياناً-الآية " " مرصوصاً-الآية".

       إن الصف قد يكون معوجاً لكنه صف ، ولكن أهميته بالاستقامة الكاملة أو الجزئية أنه صف، أي أنه يحقق إيمانا بضرورة بناء " الصف " بأن يكون ملتحقاً به منتميا له، وبالتالي هو ملتزم ومنضبط لمجرد وجوده في " الصف "، ولكن " حب " الله "للمقاتلين في سبيله" والمناضلين والمجاهدين في أنفسهم ، وضد الطغاة والشيطان شأن أخر يتعدى الالتزام ضمن بوتقة واحدة فقط.

       إن " البنيان " " المرصوص " بلا فُرقة أو تفرق أو تحزّب أو تعصّب بغيض يحتاج " لإيمان متلطف" ويحتاج لأطر وهياكل ومؤسسات وجماعات هي " بنيان" في عصرنا الحاضر ، ومن هنا ندرك أو نتأمل فنجترح مفاهيم جديدة يحث عليها الله سبحانه وتعالى -أو يضع لنا فيها إشارات كما نرى- إذ يقرر في الآية الكريمة أن (الجماعة) ذات (الغاية) (الملتزمة) هي الجماعة التي تبنى (المؤسسات) بالإيمان "المتلطف"، وبمنطق خدمة الآخرين جميعاً ممن هم داخل المؤسسة أوالجماعة أو المنظمة أو خارجها (كل الناس) لتستحق لقب " الخيرية" ضمن (خير الناس) كما في الحديث الشريف ، ولنستحق بذلك المكافأة الكبرى أي " حب " الله كما في الآية.

       فلا نرى -استنادا للرؤية السابقة- سيادة لفكر الحصرية والاحتكار للدين والمطلقية وما بذلك من قسوة وجلافة وتنفير من الإسلام ومن أصحاب العلامة التجارية الحصرية له، وكل هذا في مقابل الآخر الملفوظ والمدان دوما والمتهم حكما دينيا أو وطنيا لمجرد أنه من خارج المؤسسة أو الجماعة التي ينتمون لها.

إن المبادئ أو النقاط الستة التي تشير لها الآية الكريمة ، والمخاطب بها الناس ما كانت من تأملاتنا في رحاب المسجد الأقصى في القدس الشريف ، وهي (1-الذين) (2-يقاتلون) (3-في سبيله) (4-صفا)(5-بنيان) (6-مرصوص) تستوجب من الخالق سابعا أن  يحبهم-(7-ان الله يحب) كما كتب المولى عز وجل على نفسه.

    وهنا لنا أن نعرّج أخيراً على كلمة (مرصوص) وهي ليست إضافة شكلية "للصف" أبدا وانما جوهرية بمعنى (التداخل) و(التلاحم) وألا يكون بينكم (خلل) أو (مسافات) أو(منازعات) ليست مادية فقط كما في الصلاة، أو في البنيان، وإنما وجود خلل أو مسافات نفسية وعقلية أيضا، فما بالكم من يتعمد أن يُحدِث الخلل والمسافات والفُرَج والفتن فيقسم أمة المسلمين، ويقسم شعبه بكل ألوانه بين جماعته الموعودة أوالمؤمنة حصريا، ما لا يحوزه سواها كما يرى بنظرته الأحادية المتعصبة ؟ 

    وللعلم فإن رصّ الصفوف بمعنى الوحدة (الوطنية) ووحدة (الكلمة) ووحدة (الفكرة) ضد الشيطان في نفسي أولا، وضد أعدائي من عوامل اليأس والاحباط والتخلف والدونية والجهل والسوداوية والعنف الداخلي....الخ، وضد المعادين للأمة من: مستبدين وظلاّم ومحتلين وكذابين ومتاجرين بالدين ومقسّمين للمسلمين ولأوطانهم وشعبهم ومنزّهين لأنفسهم دون سواهم، مثل هؤلاء بفعلهم هذا(كالرصاص) في قلوب المسلمين والناس عامة ، عدا عن الإشارة اللطيفة هنا إلى أن كلمة (الرصاص) مشتقة أيضاً من (رصّ) "لتداخل" أجزاء المعدن الموصوف.

       إن تأملنا الذاتي بين القدس وأبوظبي وعمّان، في مفاهيم (الصف) و (اللطف) و(الخيرية والنفعية) هي معزوفة شوق ورسالة حرص وقناة تواصل تجلب بتكاملها -وتكامل آيات الذكر الحكيم كلها- للجائزة الكبرى هنا المتمثلة في (حب) الله سبحانه وتعالى ومرضاته ما يغدق به الله على كافة الكائنات والناس كل الناس.

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر