موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

فلسطين تحت الاحتلال الإنكليزي


فلسطين تحت الاحتلال الإنكليزي

من 1918 – 1935

صك الانتداب

        نشر وايزمان في مذكراته قائلا (ان اليهودي الأمريكي بنيامين كوهين كان يتولى مع سكرتير اللوررد كيرزون وزير الخارجية البريطانية وضع صك الانتداب والاتفاق على نصوصه) ولقد جاء في المادة الثانية من الصك : (تكون الدولة المنتدبة – بريطانيا – مسؤولة عن جعل البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تكفل إنشاء الوطن القومي اليهودي..) وفي المادة السادسة نص بتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين واستقرارهم ثم في المادة السابعة تجنيسهم بالحصول على الرعوية الفلسطينية.  

المؤتمرات الفلسطينية

     عقد مؤتمر فلسطيني حاشد في 5/3/1919 اشتركت فيه القرى والمدن والعشائر وأعلنت رفض الانتداب ووعد بلفور والهجرة اليهودية، ولما ضرب الإنكليز عرض الحائط بالمطالب الفلسطينية تنادوا لعقد مؤتمرهم الثاني الذي منع بالقوة إلى إن  عقد في شهر 12/1920 وهنا طلب الفلسطينيون من جديد إلغاء الانتداب ووعد بلفور وتأسيس حكومة وطنية وابرقوا بذلك إلى عصبة الأمم ومجلس العموم البريطاني ومجلس اللوردات، وسافر وفد فلسطيني إلى لندن ممثلا لـ 94% من سكان البلاد وهم العرب الفلسطينيون وهناك اشترط تشرشل على الوفد مفاوضة وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية والذي لم يكن يوما من الأيام من سكان فلسطين والذي أيد طلب تشرشل مشترطا عدم المساس بوعد بلفور، ورفض الوفد العربي ذلك وقدم مذكرة إضافية إلى بريطانيا دون جدوى أو أدنى اهتمام.

          بلغت المؤتمرات العربية من العدد سبعة، كان آخرها المعقود في القدس 20 حزيران 1928 وتقدم من جديد يطالب بحكومة نيابية والحد من الموظفين البريطانيين، والاحتجاج على منح امتياز البحر الميت لشركة يهودية، وعلى إيثار العمال اليهود بالعمل بدلا من العمال العرب والمطالبة بوقف سن القوانين ريثما تؤلف حكومة نيابية، ورغم ثورات الشعب الفلسطيني حينا من الفترة 1919 – 1928 ولجوئه إلى الصحافة والمؤتمرات أحيانا أخرى إلا أن الآمال بالعدل البريطاني الذي تغنت به دولة الانتداب أثناء الحرب العالمية الأولى ما كان إلا خداعا ونكثا للمواثيق والعهود.  

الكتاب الأسود

        أصدرت بريطانيا دستورا أسمته دستور فلسطين وذلك عام 1922 كان ابرز ما يقضي به تأسيس مجلس تشريعي فلسطيني يتكون من 22 عضوا، عشرة منهم موظفون بريطانيون يعينهم المندوب السامي، وينتخب 12 آخرون يكون منهم 2 يهود، و2 من العرب المسيحيون و 8 مسلمون، وللمندوب السامي الرأي الأخير في المجلس الذي ليس من شأنه البحث في الانتداب أو وعد بلفور، وقاطع العرب الانتخابات الخاصة بذلك ففشلت وطوت الحكومة مشروعها عارضة اقتراحا بمجلس استشاري لا يختلف عن سابقه، وفي نفس الوقت أصدر تشرشل كتابه الأبيض (الأسود) الذي أشاد فيه باليهود وتاريخهم معتبرا (عودتهم) حقا وليس منة، بينما لا يشير إلى العرب إلا كطائفة في فلسطين، ويمن على المسلمين انه أعطاهم حرية في أوقافهم ومحاكمهم الشرعية، بينما أعطى لليهود حرية التسليح والتدريب ونظامهم البلدي والزراعي  والاقتصادي، وتشرشل يتنصل من وعد دولته للشريف حسين بإنشاء دولة عربية تضم وطنا عربيا كبيرا بما فيه فلسطين، والذين خانوا عهودهم وأصروا على نقضها حتى فيما لا ينكرون الوعد به، لا ينتظر أن يصدقوا فيما يصرون على إنكاره.  

ثورة البراق (1929)

        قامت معركة عنيفة عند ممر البراق في القدس 20/8/1929 لم يتمكن البوليس من إنهائها إلا بمشقة شديدة، ولم يجد العرب إلا أن يجددوا هجماتهم على مجموعات يهودية مسلحة استمرت طوال يوم 23/8/1929 فخرج 107 من الفريقين وخسر اليهود 28 قتيلا وكانت المعركة تدور في شوارع القدس من ركن إلى ركن.

          وسرت أنباء الثورة في أنحاء فلسطين، فقامت معركة في الخليل راح ضحيتها ستين يهوديا وجرح 50 آخرون ولم تنم بريطانيا ولم تهدأ فوزعت السلاح على رعاياها ومنهم اليهود على الرغم من آلاف اليهود الذين دربتهم وجاءت بهم من مختلف أنحاء العالم لتخلق لهم وطن في فلسطين.

          وهاجم العرب مركز البوليس، ونشبت معركة جديدة في ضواحي الخليل، وفي صفد، والنقب واستمرت الثورة مشتعلة 15 يوما قتل وجرح خلالها 472 يهوديا وكانت ضحايا العرب 338 بين جريح وقتيل.

          لقد كانت هذه الثورة العارمة رد فعل على التحدي الصهيوني السافر وللخداع البريطاني المستمر وقد ظهر فيها الإنكليز على حقيقتهم فما من معركة نشبت بين العرب واليهود إلا كان الجنود الانكليز في الصف المعادي للعرب، ولقد تجاوزوا حد المعارك إلى مهاجمة البيوت العربية، وتقتيل الأسر الآمنة والتمثيل بها.

          وعلى الأثر قام المندوب السامي البريطاني ينكل بالعرب معتقلا مئات الشبان وصدر الحكم بإعدام 20 عربيا نفذ فورا في الشهداء الثلاثة فؤاد حجازي وعطا الزير ومحمد جمجوم، وتنوعت الأحكام حتى بلغ عدد العرب المحكومين 792 وفرضت غرامات مالية باهظة جدا على عدد من القرى العربية، وحددت إقامة عدد كثير من الزعماء في أماكن نائبة من فلسطين.

الكتاب الأبيض ولجنة شو

        أرسلت بريطانيا لجنة للتحقيق في أسباب الثورة وعلاجها وذلك أواخر عام 1929 وعقدت 58 جلسة واستمعت لأكثر من 600 شاهد وقدمت تقريرها لوزارة المستعمرات وكان أهم ما جاء فيه: ان السبب الأساسي للثورة هو شعور العرب بالعداء والبغضاء نحو اليهود نتيجة خيبة أمانيهم السياسية والوطنية وخوفهم على مستقبلهم الاقتصادي. وان اليهود سيسيطرون عليهم سياسيا يوما ما يسبب الهجرة اليهودية وشراء الأراضي. وأشار تقرير لجنة السير "الترشو" بصراحة لحاجة الفلاحين العرب لتأمين ملكيتهم لأرضهم، وأنهم يهتمون بالأمور السياسية أكثر من كثير من أهالي أوروبا.

          وفي العام 1930 أصدرت بريطانيا كتابا ابيض آخر شرحت فيه صك الانتداب وأضافت أن كتاب بريطانيا الأبيض:

          "يعلن بكل حزب عدم وجود أراض في فلسطين صالحة لاستقرار المزارعين من المهاجرين الجدد، باستثناء أراضي الوكالة اليهودية على سبيل الاحتياط..." وتدعو بريطانيا زعماء اليهود لضرورة الاعتراف بإجراء بعض التنازل من جهتعهم عن التصورات الاستقلالية الانفصالية، وان يتمكن العرب واليهود من الرقي والتقدم بوفاق وقناعة. الا انه وقبل ان تمر 20 يوما على الكتاب الأبيض الذي قبله العرب وحاربه اليهود اعلن وزير المستعمرات (انه ليس في نية بريطانيا إيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين..) بل ويؤكد الالتزام بتسهيل الهجرة وتشجيعها  وتملك اليهود للاراضي وسمى العرب هذا التصريح بالكتاب الأسود لان بريطانيا كانت قد ركعت على ركبتيها أمام استقالة وايزمان وغضبة الصهيونية وتنكرت لما سبق ونشرته على العالم قبل أيام.

        اشتداد النضال الفلسطيني

        كانت بريطانيا تحرم على العرب التظاهر وتمنع حمل السلاح على حين أنها تسلح اليهود، وكانت تتيح التظاهر لليهود إلا أن الشعب الفلسطيني إزاء تدفق المهاجرين وتسرب الأراضي لهم استمروا في إعلان إضراباتهم ومظاهراتهم رغما عن الانكليز فكانت إضرابات متواصلة  أبرزها في العام 1933 ففي يوم الجمعة 13/10/1933 غادر المسجد الأقصى المبارك آلاف المسلمين وانضم إليهم جميع كبير من المسيحيين يتقدمهم الزعيم موسى كاظم الحسيني فتعرض الانجليز للحشود الثائرة فجرحوا 35 عربيا وفي 12/10 تقاطر العرب من القدس والخليل وحيفا وكل أنحاء فلسطين إلى يافا ليصطدموا أمام باب الجامع الكبير مع الجند الانكليز بينما كانوا يتظاهرون منادين بسقوط بريطانيا وحياة الأمة العربية فاستشهد 32 شابا عربيا وجرح 167 وشج رأس الشيخ الجليل موسى الحسيني فرجع جريحا إلى ان توفاه اله شهيدا في 26/3/1934.

          وهكذا تواصلت الإضرابات والمظاهرات والصدامات العربية في الوقت الذي كان فيه المعلم الشهيد عز الدين القسام يصنع تنظيما محكما للنضال اتسم بالسرية والدقة وحسن التنظيم إلى ان حاصرت قوات الاحتلال عرين البطل المجاهد ودارت معركة في أحراج يعبد بمنطقة جنين انتهت في 25/11/1935 باستشهاد القائد القدوة وبعض رفاقه واسر الباقون من عصبته المؤمنة ليسجنوا ويعذبوا طويلا في سجون الاحتلال ورثاه الشاعر فؤاد الخطيب قائلا:

أولت عمامتك العمائم كلها شرفا تقصر عنده التيجان

إن الزعامة والطريق مخوفة غير الزعامة والطريق أمان

ما كنت احسب قبل شخصك انه في بردتيه يضمها إنسان

يا رهط عز ا لدين حسبك نعمة في الخلد لاعنت ولا أحزان

شهداء بدر والبقيع تهللت فرحا وهش مرحبا رضوان

·   المرجع : صالح مسعود بويصير، جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن، القاهرة 1987، دار بويصير للنشر والأبحاث. (وهناك الكثير من المصادر حول القضية الفلسطينية يمكن الرجوع لها للإثراء)

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر