موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

الإعلام والأمراض السياسية


الإعلام والأمراض السياسية

 

لقد استطاعت الانتفاضة-باعتمادنا لها كمقياس- أن تزودنا بنماذج من الشخصيات تعاملت مع الحدث الجلل من موقعها السياسي أو الفكري أو الإعلامي أو الثقافي بحيث مكنتنا طريقة تناول هذه الشخصيات لموضوع الانتفاضة تحديدا في الوطن العربي من تشخيص مجموعة من الأمراض السياسية الاتصالية _أو الأمراض السياسية الإعلامية-التي لا تظهر إلا من خلال الورق وعبر الشاشة الزرقاء أو موجات الإذاعة .
قد يكون لدى السياسيين أمراضا أخرى ولكن وسائل الإعلام والاتصال الفعالة مثل الندوات واللقاءات والمهرجانات والظهور عبر الشاشات ومن خلال مقالاتهم وأقلامهم أو أصواتهم لها الفضل الأكبر في الكشف والتشخيص الذي نخوض فيه الآن .
في السياسة قدرة على التعامل مع القوى المؤثرة والسلطة وفي السياسة كما يقول المفكر خالد الحسن قدرة على الصدق مع الجماهير والمناورة مع العدو. وتصبح فنا وفيها إدراك الجديد وتحديد الأولويات واتخاذ القرارات في الزمن المناسب ورؤية الموقف من زاويته الصحيحة يعطي للسياسي حنكته أو حكمته أو بهلوانيته وكذبه وضلاله ، ومتى ما اختلطت السياسة بالإعلام أصبحت الصورة للسياسي جزء هام قد يستطيع بها أن يرسم حقيقة أو يخبئ حقيقة ، وقد يستطيع أن يعبر عن نفسه مغلفا أو عاريا ، وقد يستطيع أن يبرز أفكاره دون ضلال أو ظلال ، وقد يتلون وفق ما يعتقد أن الجمهور يرغب أن يرى ، وقد يستطيع السياسي أن يستخدم أو يستغل أو يستثمر وسائل الاتصال لخدمة أهدافه أو( أهداف تنظيمه) وقد تسحره الأداة ، وقد يجره الموقف ، وقد يسوقه الانفعال ، وقد تحركه الجماهير الملتهبة باتجاهات بعيدة عن طبيعته وشخصيته وحقيقته… لذلك فإن كثير ممن نراهم أو نسمع لهم أو نقرأ لهم أو عنهم ليسوا سوى بهلوانات سياسية أو حرباءات إعلامية يتلونون وفق الظرف والموقف والزمن ، ويبدلون جلودهم دون أدنى شعور بالتعارض أو الاختلاف أو التضادإن من نراهم ونرسم منهم أبطالا أو وحوشا ، أو عظماء أو متخاذلين هم ليس كما نراهم ؟! إننا نراهم كما يريدون لنا أن نراهم ، إننا نراهم بعيون ليست لنا ، وهم يرون أنفسهم كما يعتقدون أن الناس يحبون أن يروهم … ولكنهم في قرارة أنفسهم يعرفون من هم .
وللإطلاع على أمراض الساسة الإعلاميين يمكننا أن نضعهم ضمن معيار تصرفاتهم أثناء الانتفاضة عبر رؤيتهم تحت المجهر ونخضعهم لمقياس الحقيقة وسماعة الطبيب ولنكتشف فيهم أمراض السياسة كالتالي :

أولا: الحقد السياسي
ويعتبر هذا المرض الأكثر وضوحا والأكثر شيوعا بين الفرقاء الأيديولوجيين حيث يتم تفسير كل تحرك أو موقف للخصم وفق التحيزات المسبقة وضمن رأي أيدلوجي عقائدي شخصي ثأري انتقامي لا يتبدل … ولا يرغب صاحب الرؤية شخصا كان أو تنظيما في رؤية تبدل العوامل والمواقف للأطراف الأخرى وخاصة الطرف الخصم لأن كل ما يأتي منه سيء وخطأ ( حتى لو حرر فلسطين كلها من البحر إلى النهر فهو عميل كما قال أحدهم واصفا خصمه) … إن الحقد السياسي رغبة دفينة في إفناء الآخر وعدم رغبة على تفهم مواقفه وسعي حثيث للحلول محل هذا الطرف لا مشاركته في القوة والسيطرة أو الحركة السياسية والإعلامية .


ثانيا:الغرور السياسي

ونراه جليا –وقد رأيناه في انتفاضة الأقصى-بعد أن يحقق هذا الطرف أو ذاك تقدما أو نصرا أو فوزا جزئيا في موقع ما … في عمل ميداني ، في معركة سياسية ، في مناظرة …الخ ، يبدأ يوزع شهادات البطولة أو شهادات الشرف والصمود أو شهادات الانتصار على هذه الفئة أو تلك ويمنعها عن البعض الآخر تماما كما هو الحال مع صكوك الغفران أو مفاتيح الجنة أو مراتب الشرف أو العمالة .


ثالثا: الكذب السياسي
يعرف بعض المفكرين السياسة بأنها فن الكذب أو الخداع وفي ذلك تجني كبير لأن السياسة فن ولكنها علم أيضا وهي (هما) معا للصدق مع الجماهير والمناورة مع العدو ( وربما الخصم)ولكن ما يحصل في الحقيقة أن عديد المنظمات والأشخاص وخاصة في إطار موقف شامل كما هو مع الانتفاضة يبدءون بتضخيم أدوارهم والمبالغة في مشاركتهم ومساهماتهم وتزكية مواقفهم وإسقاط أفكارهم على صورة ليست لهم … انهم ببساطة يكذبون ليحسنوا من مواقعهم الأيديولوجية أو الفكرية أو السياسية ، ويكذبون ثم يكذبون ولا يملون ليستمروا محتفظين بمواقعهم وصورتهم الإعلامية … وفي مقياس الانتفاضة المجيدة التي قادتها ميدانيا جموع الشبان من تنظيم حركة (فتح ) ثم لحقتها عدد من كوادر التنظيمات الأخرى ، بدت هذه التنظيمات الأخرى هشه ضعيفة بل ومنعزلة أحيانا ثم استفاقت بعد فترة ليست قصيرة لتبتلع الحدث وتعيد إنتاجه كأنه من صنعها ؟! وأصبح البعض يتكلم وكأنه دون سواه مفجر الحدث وصاحب ديمومته … ولأن اعتماد السياسيين على الذاكرة القصيرة للجماهير وعلى انعكاس الصورة وفعل التعبئة المرتبط بها ، فقد لجأت عديد المنظمات إلى الكذب على الجمهور والتحايل على جمهورها الذي يدين لها بالولاء غير المرتبط بفعل الحدث القائم ، والتضليل للجمهور عبر استغلال الصور لبعض حملة رموزها في التظاهرات ومسيرات الشهداء وعبر الأعلام والتلثيم والتحليل الموافق لفكرها الناهض بعد نوم عميق .


رابعا : البهلوانية السياسية
إن لم تكن السياسة التزام كما يقول سقراط ، وإن لم تحمل معنى العدالة كما يقول أفلاطون ، وإن لم تكن الحياة الصالحة كما يورد أرسطو ، وإن لم يحكمها الضمير كما يقول جون لوك ، وإن لم يكن للسياسي غاية كما يقول جون بول سارتر … فإن البهلوانية السياسية هي التي تسود : يتقافز السياسي وصورته الإعلامية بين المواقف دون التزام أو ضمير ومن حفرة إلى تلة من اليمين إلى اليسار وبعمق انتهازي لا يرى إلا مصلحة الحزب الضيقة أو مصلحة الشخص الأضيق… وقد نلحظ البهلوانية هذه التي تكاد تدمغ معظم الأمراض السياسية حتى في الموقف الواحد أو الخطاب الواحد الذي قد يستمع له شخصان متناقضان أيدلوجيا وفكريا وسياسيا ولكن يعطيهما الخطاب كلاهما ما يريدان ؟!في بهلوانية عجيبة لا يتقنها إلا دهاقنة السياسة ومحترفي الرقص أمام الجمهور ، وكما أن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها فما بالك بذي الأوجه المتعددة ؟!


خامسا: التلون السياسي (الحربائية)
أن تكون إمعة كما يقول رسول البشرية عليه السلام تميل حيث تميل الريح فهذا شيء مرذول . وقد فسر علماء النفس ميل الجموع لرأي أو فكرة أو قول أو إعلان ليست بالضرورة صالحة أو مقنعة عقليا إلى غريزة القطيع … ولكن أن يميل السياسي أو الكادر الإعلامي أو المفكر المجتمعي وفق اتجاه الريح ( متخذا من العوامل الذاتية أو الإقليمية أو الدولية حجة دامغة ) ففي ذلك قول آخر… إن إدراك الجديد وفهم المتغيرات والتعاطي مع الواقع لا يعني نزع جلود ولبس جلود جديدة ، وإنما يعني حسن التعاطي مع المحدثات وابتكار الأساليب والأدوات والمناهج التي تحقق الغايات. هدف صغير يخدم هدفا كبيرا … وفي الحربائية بهلوانية سياسية نعم ولكنها هنا أكثر ثباتا ، وتدوم لفترات أطول ربما مع طول الحدث الذي ما أن ينتهي وتطل ملامح مرحلة جديدة حتى يتلونون ويكونوا من رجالاتها أيضا.
وفي الانتفاضة الحالية تلون العديد من السياسيين المنبطحين المستسلمين مع ظرف الانتفاضة فبدوا ثوريين وسبقوا قيادات الانتفاضة تلونا وبهلوانية … ومنهم من كان ينظر له سابقا بالخيانة أو الفساد أو الانكفاء ، ومنهم من كان قد غطى الغبار وجهه وكتفيه فنفضهما ليبدو أمام الصفوف الأكثر نشاطا .


سادسا : الغباء السياسي
من الصعب أن نصف سياسيا بالغباء ، لأن السياسي الذي يخوض معترك بناء الدولة ويتعامل ضمن معادلة صراع القوى ، ويتعاطى مع مفاهيم وآليات السيطرة والمنافسة ويفهم ( أو يجب أن يفهم ) التقاطعات والتحالفات والخصومات … بالضرورة يتحلى بالحد الأدنى من الحكمة والصبر والمبادرة والقدرة الإدارية أو القيادية وإدراك الجديد بالذكاء قطعا ؟! ولكنه مع كل ذلك فهناك من الغباء السياسي ما يجعل من مفكر أو محلل أو إعلامي يقف عاجزا عن تفسير الحوادث أو المواقف أو المشاكل بشكل صحيح ، ويرتبك فلا يقدر على تبيان العوامل أو الأسباب . يهتز فلا يصمد ويفشل في تحليل القوى والتأثيرات وربما يفهمها متأخرا وكما هو الحال مع عدد من تنظيمات اليسار العربية عندما كان هناك يسار ويمين .
إن تفسير الحوادث أو المواقف أو المشاكل بشكل غريب كما يبدو أولا مما يثير الشك … ولكن تكراره يعطي الانطباع إما بالعمالة أو بالغباء كما كان لا يفتأ يردد القائد الشهيد صلاح خلف ، وإلا فكيف نفسر الأعناق المشرئبة تصرخ من كل مكان تدعو لدعم الانتفاضة بينما يصلنا من بينها صوت نشاز يدعو لاستقالة الرئيس عرفات أو يحلل الحدث كما هو الفكر السقيم بأنه مؤامرة لتحريك المسار التفاوضي وكأن الناس أرقام وبيادق يتحركون بإرادة غيرهم ، إنه غباء سياسي يثير الشك ، وفهم متأخر يعيب السياسي و مرتبط بأجزاء من الأمراض السابقة.


سابعا: التخلف السياسي
في التخلف افتقاد للمعلومة ، وفي التخلف قصور في الوعي ناجم عن افتقاد الثقافة أو ملاحقة الجديد ، وفي التخلف جمود عند حدود ما اكتسبه السياسي قبل عشر أو خمس سنوات مضتفي التخلف السياسي عدم قدرة على تحديد الأولويات وخلط للأوراق وخلط للمراحل ، وفي التخلف السياسي اعتقاد للسياسي أنه ختم العلم بينما هو قد ختم على قلبه . وفي التخلف شيء من الغرور الذاتي الذي يقف بصاحبه عند حدود ما وصل إليه موقعا أو فكرا أو رؤية .
إن المتخلف سياسيا يحاول أن يمتلك رؤية للحل ، وقد يجهد نفسه في صنعها ولكن هيهات ؟! هيهات لقاصر في الوعي جامد في التفكير مفتقد للمعلومة وغير باحث عنها أو قادر على معالجتها بشكل صحيح أن يمتلك الصواب .. ومن هذه النوعية وضمن مقياس الانتفاضة شاهدنا العديد من أصحاب ربطات العنق الذين عندما يتكلمون يثيرون الدهشة ؟! قد يكونوا مخلصين في سعيهم ولكنهم فاشلون ومحاولاتهم تبدو حمقاء وشاذة وضارة .

ثامنا :الخلط السياسي
حينما يشرق السياسي ويغرب ويورد كما هائلا من المعلومات ذات العلاقة وغير ذات العلاقة ذات الدلالة وغير ذات الدلالة مترابطة أو مفككة لها علاقة بالموضوع قيد النقاش أو الطرح أو التحليل أوليس لها علاقة … يكون قد وقع في فخ الخلط إن لم يكن يقصد ؟! وفي الخلط السياسي أيضا بهلوانية وربما حقد سياسي وربما كذب متى ما كان مقصودا به تضليل الآخر وإرباكه ، وفي الخلط السياسي جهل وتخلف متى ما مارسه صاحبه ولم يدر أنه يخلط الزيت بالخل . وما ذاك المتحذلق الذي ترونه أحيانا على الشاشات الزرقاء ينبش في التاريخ ويقول ما هب ودب ضد الثورة وضد المنظمة وضد السلطة في موضوع لا علاقة له بكل ذلك إلا من هذه الفئة التي تضع كل بضاعتها في الخلاط في اعتقاد زائف أنها بذلك تبرز عضلات وتبين حقائق … ولكنها في الحقيقة تستعرض ما ليس به حاجة وتخلط الأمور ليضحك عليها الناس وتظن أنهم يضحكون معها .


تاسعا : الجمود السياسي
إن الجمود السياسي أو العمى السياسي أو سياسة القوالب المصبوبة أو الجامدة سياسة تميز أصحاب العقول المثقلة بإرث الشمولية وتراث أوحدية الصواب ، وفكر المطلق والحقيقة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا خلفها … إن التمسك بالمواقف مع تحرك العوامل واختلاف الأوضاع ومرور الأزمان هو من نتائج الجمود العقلاني والإيمان باحتكار الصواب على عكس مقولة الإمام الشافعي الشهيرة : أن رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب .
إن في الجمود السياسي التابع للجمود العقلاني سبب للحقد السياسي ومجلبة للكذب السياسي أيضافالانتفاضة باعتبارها فعل الشعب المسلم المؤمن ، والإسلام حق ، وأنا حق فلا بد أن تكون من فعلي وتدبيري ، ولا بد أن يكون الآخرون مدعين ؟!ومهما فعلوا فهم في خانة لن يخرجوا منها إلا أعداء لله وللحق .

خاتمة
قلنا أن معادلة الاستثمار الإعلامي = التعبئة السياسية ، أصبحت في ظل الانتفاضة المباركة أكثر وضوحا لكل ذي لب ، وأكثر سطوعا لكل دارس مما مكننا من استنباط أو تشخيص عدد من الأمراض السياسية الاتصالية كما أسلفنا ، وفي الإعلام كما في السياسة كما في الشؤون الإنسانية عامة نتوقف عند حدود الوعي لنقول : إن إدراك الحقائق وامتلاك وسائل التفكير السليم في المعلومات وعي . فالوعي لا ينشأ لمجرد توفر المعلومات وإنما ينمو بالإدراك لها ومعالجتها وفق معايير التفكير السليم التي تتجاوز الرطانة السياسية من حيث هي كلام عام موجه للعموم وبلغة قد تكون طنانة ورنانة وتخاطب المشاعر ولكنها لا تنسجم مع وقائع الأرض ، وتحقق التوظيف السياسي الصحيح من حيث هي ترسم الأهداف قصيرة الأجل وتضع المخططات وتتبنى البرامج وتقوي الهياكل والآليات وتبث الروح في المعاني وتطلق الأفكار العقلانية المحفزة دون استغلال ذاتي أو لهدف هامشي لا يخدم مرحلة بقدر ما يخدم عاجلا على آجل .
إن التلون الإعلامي فيما ذكرنا إسقاط للسياسة على الإعلام ، وقتل للحقيقة باللون السياسي والبهلوانية السياسية كممثل للأمراض السياسية تحوير للحقائق وتزوير وتضليل يقصده السياسيون ، وما كان في الانتفاضة الحالية وعبر الإعلام إلا أن كان لنا نبراس ذو ضوء ساطع .

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر