موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

عناصر السلوك العسكري 1


عناصر السلوك العسكري 1

 

مقدمة:

إن مجمل التصرفات والأفعال والأقوال تمثل الإنسان سلوكا ، هو داخل إطار المجتمع سلوكا مجتمعيا، وفي المؤسسة أو التنظيم أو الشركة أو الوحدة أو الجهاز سلوكا يسمى تنظيميا ولا بأس إن أطلق على سلوك الكوادر، أفراد وضباط الأجهزة الأمنية والعسكرية والحركة المقاومة السلوك العسكري تمييزا له عن إشكال السلوك الأخرى المستتبعة لبيئة العمل، وعقلية أو معايير التعامل التي تحكمه.

أن الإنسان بتميزه عن سائر الكائنات بالعقل والتفكير والوعي قد جعل منه ذلك فردا أو مجموعات تسيرها منظومة من القيم والمعتقدات والمعايير هي في حقيقتها تمثل له فردا أو جماعات موجهات أو محددات أو عناصر للسلوك الذي من الممكن التعرض له بطريقة وصفية أو التعرض له من زاوية (الموجهات) للسلوك وهي تلك القيم، أو تلك الصفات التي يجب آن يتحلى بها الإنسان، ورجل الأمن أو العسكري باعتباره يقوم بوظيفة تحقيق الأمن للوطن والمواطن ويقوم أثناء ممارسته لواجباته بمجموعة من التصرفات والأفعال والأقوال أو السلوكيات التي يجب أن تخضع لتلك المعايير أو الصفات الفاضلة في حياته العامة والعسكرية (أو في بيئة العمل) التي يقوم فيها الكادر بتأدية واجباته تجاه نفسه وأسرته ، وثانيا تجاه عمله ومرؤوسيه وثالثا تجاه المجتمع والجماهير التي يتعامل معها ، ورابعا تجاه أعداء الوطن.

 وأثناء ممارسة الكادر لجميع نشاطاته في الاتجاهات الأربعة التي ذكرناها من الضروري أن تحرك سلوكياته عدد من القيم وان يتحلى بعدد من الصفات التي لا يحكمها تغير المكان والزمان إلا بنسبة وطريقة استخدامها وتوقيت ذلك وهي ما سنتعرض له في ورقتنا هذه تحت عنوان موجهات أو عناصر السلوك العسكري.

إن أخلاق الحرب تختلف عن أخلاق السلم، فالمعايير والقيم التي ترسم سلوك الأفراد والجماهير في الحرب تكون موجهة بشكل كبير نحو مضاعفة التصعيد والتصدي والحقد على العدو، والتعبئة اليومية نحو تدمير الآخر أو إخضاعه، ولا يقبل أثناء ذلك أي تكاسل أو تراخي أو تولي أثناء الزحف لأنه في أوقات الأزمات والمواجهات والمعارك والثورات لا مناص من توجيه كل البنادق ، كل الإعلام ، كل التوعية ، كل الحرب النفسية ، كل المقاومة ، كل المواجهة ، كل الاستعدادات لتحقيق أهداف خطة القيادة لهزيمة العدو والتي تستدعي أثناء ذلك قدرا كبيرا جدا من الانضباط والالتزام والصدامية والاشتباك مع العدو بما يختلف عنه أثناء السلم أو الهدنة أو التسوية والتي فيها قد توجه طاقات الأمة لبناء الوطن ، وطاقات رجال الأمن والعسكريين لحماية ودعم مصالح الوطن و ضد الذين يرتبطون بالعدو مباشرة أو بشكل غير مباشر عبر العمالة أو التساهل والليونة مع الطرف الآخر أو التطرف ضده بشكل مريب أو عبر تضخيم السلبيات وتقليص الإيجابيات الوطنية، وعبر إطلاق الإشاعات، وبث الذعر والرعب وتحطيم معنويات الشعب باختلاق القصص والتشويه المتعمد والمخطط .

وقد يكون دور رجال الأمن في مرحلة السلم أو حالة التوسط بين السلم والحرب اكثر أهمية وخطورة ، في حالة  تستدعي تحصين وتصليب هؤلاء الرجال، وتمتين ولائهم للوطن وانضابطهم للجهاز، وحسن تعاملهم مع الجماهير، واستمرار يقظتهم من جميع الأعداء المحتلين.

قلنا أن هناك موجهات لسلوك رجل الأمن مستمدة من منظومة القيم والمعايير التي تحكم المجتمع من جهة، وتلك التي تفرضها طبيعة الحياة العسكرية ( أو الانضباطية في المؤسسة أو الجهاز) من جهة أخري، ولان رجل الأمن والجندي والكادر يمارسون طبيعة عمل تحتاج لأفراد ذوي سمات وصفات محددة فان دعم السلوك الإيجابي وتقويم السلبي يعد من الزم واجبات القيادة  ، وفي حالتنا الفلسطينية الراهنة ضمن مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث يمارس الضباط والجنود وكوادر الأجهزة الأمنية احتكاكا مباشرا بالمجتمع- يختلف عن طبيعة ذاك الاحتكاك بين أفراد المجتمع أنفسهم - مما نحتاج معه إلى تمتين وتصليب وتحصين رجال الأمن وكوادر السلطة في بنائهم الذاتي وتجاه الجماهير ما يتسم بأهمية دعم سلوكهم الإيجابي أثناء تأدية واجبهم في الوحدة والمكتب والشارع ، أثناء جمع المعلومات والتمحيص فيها ومعالجتها وأثناء الاقتحام أو الاعتقال وأثناء الاتصال والتفاعل بين الأفراد الوحدات والكتائب وفرق العمل والدوريات والحراسات والتدريب وسنتعرض هنا بشكل رئيس للسلوك العسكري وهو ما نقصد به السلوك الإنساني لكوادر القوات أو الأجهزة الأمنية في علاقاتهم معا و أثناء تأدية واجباتهم الوطنية.

إن كوادر القوات و الأجهزة الأمنية باعتبارهم أفرادا عليهم الالتفات لبنائهم الذاتي من خلال تنمية أفكارهم ومعلوماتهم، ووعيهم بالعلم، ومن خلال تنمية إمكانياتهم وقدراتهم بالتدريب و إثراء التجارب، ومن خلال تحسين الاتصالات وبناء العلاقات مع الآخرين ومعاملتهم بالقيم والمعايير الفضلى التي تشكل أخلاقيات مجتمعنا العربي والإسلامي والمسيحي الشرقي كما إن تنمية الفرد عامة لا تكتمل إلا بالعنصر الرابع من عناصر البناء الذاتي ممثلة بالبناء الروحي المستمد من الإيمان بالله عز وجل والمعتقدات الدينية.

  إن العلاقة مع الجماهير نتيجة الوضع المتميز لكوادر السلطة وخاصة في القوات والأجهزة الأمنية يستدعي التوجه للجماهير، بحب الجماهير واحترامها والتعلم منها والاعتماد عليها والثقة بها وتعبئتها بنفس القدر الذي يمكّن من الالتحام بها والحافظ على وحدتها، إن موجهات السلوك العسكري من الممكن أن نحددها بالعناصر التالية:  

أولا :الانضباط   

          ان أهمية وضوح فلسفة العمل التي تحرك عمل القوات أو الحركة أو الأجهزة هي بأهمية تنمية عوامل التمسك بهذه الفلسفة وهذه الأهداف لدى كوادر هذه الاطر، لأنه متى ما كانت الفلسفة والاهداف واضحة سهل على القيادة تكريس عوامل الانتماء والانضباط والالتزام لدى الأفراد.

          ان الانضباط ما هو إلا ( الانصياع الكامل للأوامر والقرارات والتوجيهات التي تصدرها القيادة للأطر الأدنى) ويمثل الانضباط أحد أشكال الطاعة الواعية لأنها بالضرورة مرتبطة بفكر وفلسفة وخطة يعيها الكادر أو العسكري ، والانضباط العسكري هو عامل التفريق الأساسي بين الكادر الملتزم وذاك غير الملتزم كما ان الانضباط يفرض الحماسة في أداء العمل وبكل جهد و إخلاص بما يضع القرارات القيادية موضع التنفيذ، والانضباط بقرارات القائد واجبة حتى لو  كانت تتعارض مع القناعة الذاتية للعضو، لان التنفيذ في الميدان لا يحتمل النقاش وإلا سادت الفوضى والخلل والتقهقر وفقدان الهيبة، وأيضا يفترض القيام بواجب الانضباط انضباط المراتب الأدنى للمراتب الأعلى ولقراراتها وتعليماتها وعدم التقصير أو الإهمال أو التباطؤ والتلكؤ في تنفيذها بل ويفترض الانضباط تقبل العقوبات الموقعة على العضو حسب الأنظمة واللوائح.

          يقول الرسول عليه الصلاة و السلام في طاعة القائد والانضباط "من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصِ الأمير فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله". وقال موضحا حدود الطاعة والالتزام بأنه "من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه".

ثانيا : الإقدام والشجاعة         

     لقد أورد (أرسطو) خمسة معانٍ للشجاعة:

1-  شجاعة الجنود الذين يبلون بلاء حسنا في ساحة القتال إما خوفا من عار أو طلبا للفخار.

2-  الجرأة الناجمة عن طول الخبرة في أي فن من الفنون والتي تكسب صاحبها شيئا من الثقة في النفس.

3-  الغضب الذي يدفع صاحبه على الثورة لكرامته والذي يحفز الشجعان على مواجهة المخاطر، والحيوان على البطش.

4-  الحماسة الفطرية التي تدفع صاحبها على اقتحام المخاطرة بجرأة فإذا اصطدم بما لم يكن بالحسبان فترت حماسته وهي تختلف عن الشجاعة الأصلية بأنها ليست ملكة راسخة في النفس لا تؤثر فيها الأحوال والظروف.

5-  الإقدام على مواجهة المخاطر، ودون روية، وهذا النوع من الشجاعة يشبه الرابع في ان صاحبه لا يثبت عليه عند اشتداد الهول.

       وترتبط الشجاعة بالتطلع لجلائل الأعمال وأسماها كما ترتبط بالاستعداد للتضحية في سبيل جلائل الأمور أو سمو الهدف، كما لا تنفصل أيضا عن الصبر من خلال عدم الجزع عند المصائب وعدم الفزع من المشقة والتعب أو الأحزان أو الجهود أو طول المدة. والكوادر الأمنية والتنظيمية والعسكرية من اكثر الكوادر المفترض تحليها بالشجاعة وخاصة في مواقف الشدة والإقدام و اقتحام المخاطر سواء إذا قصدنا بالشجاعة شجاعة البدن الناجمة عن اللياقة البدنية الدائمة للكادر المرتبطة بالإرادة، أو بشجاعة النفس وكما يقول الرسول عليه الصلاة و السلام (ليس الشديد بالصرعة ، وإنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب) حيث يتحول الحلم في هذا الموقف المحدد يتحول لشجاعة.

          ان التضحية بالنفس من أعلى مراتب التضحية والإيمان وقوة الإرادة والشجاعة المرتبطة بالأيمان بالله والوطن وسمو الهدف. ولنا في التاريخ العربي والإسلامي آلاف النماذج على ذلك من خلال عديد المعارك التي خاضها رجال الأمة ضد الأعداء والغزاة بشجاعة قد تفوق أحيانا قدرات الأفراد الجسدية نتيجة قدراتهم وشجاعتهم الإيمانية والنفسية ولنا في معركة (بدر) ضد المشركين وما تلاها في حياة النبي الأكرم ، ومعارك اليرموك والقادسية و حطين وملاذكرد وبلاط الشهداء وغيرها في التاريخ القديم ، وأيضا في تاريخنا الحديث في فلسطين أروع الملاحم التي سطّر فيها المجاهدون العِبَر و سِفر النضال المتواصل.

          إن الكادر لا يناضل ولا يعمل إلا لتحقيق هدف معين هو للعسكري في الميدان من اجل الانتصار على العدو لا الموت ، ولكن الشهادة شرف عظيم في ظل القتال، وهو لبناء الوطن بالنسبة للكادر التنظيمي أو الإداري، وهدف كادر الأمن الرئيس حماية الوطن والمواطن ومصالح البلاد والعباد ، ولتحقيق هذه الأهداف لا بد ان يتحلى المرء بقدر من الاستعداد للتضحية والشجاعة (والفرق بين الشجاعة والتهور هو كالفرق بين من يحتقر الموت ومن يحتقر الحياة) كما تقول حركة فتح في أدبياتها .

          وتضيف ان الشجاعة تعمل على (تعميق المفهوم والإيمان الأيديولوجي لدى العضو وتجعله يتوجه بحماس لمواجهة عدوه الوطني والقومي). والتقيد بالسلوك العسكري و المسلكيات في المجالات المختلفة تجعل الكادر المناضل اكثر توازنا وقدرة على العطاء والإخلاص، والقوات يجب ان تنمي الشجاعة لدى أفرادها وضباطها (بتعويدهم على مواجهة الخطر، وجعلهم يتعايشون معه، وعبر محاربة الجبن والجبناء بشدة، ولا ترحم المتخاذلين الذين يهربون من ساحة القتال)، أو دائرة الفعل وتنفيذ متطلبات العمل.  

 

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر