ثالثا : الذكاء
ليست الأسلحة هي العامل الحاسم في القتال أو الحرب أو المواجهة أو معركة البناء ، ولكنه الانسان وليست قدرات الإنسان الجسدية ولياقته البدنية هي أساس قوته في هذا العصر و إنما قدراته العقلية وذكائه .
يعرف د. فاخر عاقل الذكاء بأنه (القدرة على اكتشاف الصفات الأساسية للأشياء أو الأفكار الموجودة أمامنا، والقدرة على استثارة أفكار أساسية أخرى، ويحقق بذلك هدفا ما) ويُعَرّف أيضا بأنه (القدرة على اكتشاف الارتباط بين الأشخاص و الأشياء والمواقف و الأحداث و الأفكار لتحقيق نتيجة أو هدف ما) فاكتشاف كادر ما لسبب مرور دورية عسكرية إسرائيلية في طريق جانبي، أو معرفته لسبب عطل قطعة السلاح بيده، أو إيجاده لسبب سرقة بيت ما ، أو استقراءه لأسباب الجمود السياسي أو التصلب السياسي وتوصله لنتيجة منطقية ، كل ذلك يتوقف على القدرات العقلية والتي منها الذكاء كما تحتوي عمليات التخطيط والتنظيم وحل المشكلات وخلافها على مقدار ما من الذكاء.
إن الذكاء لا يتوقف فقط على عوامل الوراثة و إنما يتطور بالتربية وثقافة الأسرة والبيئة وبالتعليم والتدريب والتثقيف المستمر ، ورغم انه يميز غير الراشدين غالبا نظرا لأنه بعد الرشد تصبح قدرات الانسان يُعَبّر عنها بمهارات مهنية أو اجتماعية متنوعة إلا انه قد أصبح قدرة ملازمة للإنسان الراشد صمن نسب متفاوتة تخضعه لمنحنى الصدفة (منحنى الجرس) والذي منه يتحدد معامل الذكاء (I.Q) للأشخاص العاديين بنسبة متوسطة تتراوح بين 90 – 110.
ان ما أثبته العلم ان المحيط أو البيئة الجيدة قادرة حتما على زيادة القدرات والذكاء والإمكانات صحيح ، بمعنى ان المحيط يزيد في ذكاء الطفل حتى سن معين يراه العلماء في حدود سن 17 عاما ويراه آخرون حتى سن بين 20-30 عاما ثم تبدأ القدرات العقلية والذكاء بالهبوط بشكل بسيط ثم يتزايد حتى يبدو محسوسا في سن 65 وفي جميع الأحوال فانه يخضع لنسب و لإمكانية التطوير ووقف الهبوط السريع بالمران المستمر والتثقيف المتواصل والبناء.
وكما تقول أدبيات حركة (فتح) والتي لم تختلف أو تبتعد عن النظرة العلمية النفسية الصحيحة في مفهوم الذكاء فان (كثيرين ممن يحملون قدرات موروثة من الذكاء يضعفونها أو يفقدونها نتيجة تشويش في استخدام تنمية الذكاء. ان كثيرين ممن يحملون قدرات موروثة من المعلومات أو طريقة ترتيبها أو تنسيقها وتعودهم على الخوض في اكثر من موضوع في وقت واحد والتصدي لأكثر من قضية مرة واحدة والانتقال من موضع لآخر بفوضوية وتبعثر، ان مثل هذا التصرف يضعف الذكاء لدى الفرد ويجعله يفقد قدرته على التفكير السليم في الوقت المناسب).
ان كادر الأمن أو العسكري أو الانسان المنظم ومن خلال تجربته الشخصية وخبراته وثقافته المتنامية تزداد قدراته على الربط بين الأشياء وتهديف العلاقات بينها، وحل المشكلات وخاصة متى ما كانت معرفته مرتبطة بالاطلاع على خبرات الآخرين أيضا وعلى معرفة عديد النماذج والأفكار والحلول المسبقة والنتائج لمشاكل ما، تعود كادر الأمن أو كادر التنظيم على التفكير المنظم والتخطيط السليم عبر عقلية البدائل والاحتمالات.
رابعا : اللياقة البدنية
ان للياقة البدنية لدى مختلف الجيوش أهمية خاصة لم يقلل منها تطور الأسلحة وتنوعها، وتطور درجة معارف ووعي الجندي الذي كان في القِدَم يحتاج للياقة فائقة تمكنه من إتقان استخدام أدوات القتال المختلفة كالسيف والترس، أو رمي الرمح، وقذف السهام، وركوب الخيل واستمرت الجيوش تعتمد حتى الآن على الكوادر ذوي اللياقة البدنية وخاصة في المهمات الخاصة التي تستدعي ذلك. وفي وضع الأجهزة الأمنية الفلسطينية والقوات وان كانت هناك عدد من المهمات والنشاطات والوظائف قد لا تحتاج للياقة جسدية إلا ان هناك مهمات أخرى لا يمكن إنجازها إلا بتوافر مثل هذه اللياقة مثل المراقبة والاقتحام والدوريات والحراسات والدفاع عن حمى الوطن وغيرها . ان امتلاك عامل المرونة الجسدية يمكّن الكادر من التنفيذ الأسلم لمهماته دون شعور سريع بالتعب أو النصَب، وبما يمكِّنه في عمله الميداني من التصدي بفعالية لهجمات جميع الأعداء المحتملين، ويتطلب ذلك من كوادر الأجهزة والقوات درجة عالية من الاستعداد والمرونة الجسدية للتصدي للهجمات الفردية التي قد تستهدفهم شخصيا أو كجماعات، ويتم ذلك بالتدريب والتمرين المتواصل على رياضات الدفاع عن النفس والقتال بالأيدي وبالأرجل وبالسلاح الأبيض، وبالأسلحة النارية.
ان اللياقة الجسدية لا تتحقق إلا مع الإرادة القوية التي ترتبط بالاقتناع بضرورة التمرين المتواصل الذي يحقق الراحة الذاتية وتقليص عوامل التوتر النفسية والجسدية، بل وتدفع بالكوادر نتيجة التدريب الجسدي اليومي إلى اكتمال صحتهم وامتناعهم عن عادات كثيرة سيئة سواء في الأكل أو الشرب أو طريقة الجلوس أو طبيعة الحركة وتقيهم من الانحراف عن قواعد السلوك الإيجابي وكل ذلك مما يرفع من درجة الروح المعنوية لديهم وفي أعمالهم .
خامسا : الصبر
يقول الله تعالى في القرآن الكريم (والعصر ان الانسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)، ففي هذه السورة الصغيرة ذات الآيات الثلاث يتمثل منهج كامل للحياة البشرية وذلك في الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر عنواننا هنا ، هام جدا للفرد والمجتمع وللكادر التنظيمي والإداري والعسكري لان الصبر يضاعف المقدرة والثقة بما يبعثه من إحساس بأن تحمل المشاق والمصاعب لا بد ان يعقبه تحقق الرجاء وبلوغ الغاية والمراد بغض النظر عن الزمن.
وفي الأجهزة الأمنية والعسكرية تقع للعناصر والكوادر الكثير من المكارِه في التعامل مع الاطر الأخرى ومع الجمهور والتي في كثير منها لا يمكن ان يتم تجاوزها إلا بالصبر، كما ان طبيعة العمل الذي يقومون به فيه الكثير من المشاق والجهد والتدريب والسهر والذي ان لم يتم تحمله بالصبر يضعف من الروح المعنوية التي قد تنتظر مردودا سريعا ولا يتحقق. ان مردود أي عمل لا يمكن ان يظهر غالبا بشكل مباشر وانما يظهر بعد العديد من التراكمات والإنجازات والتقاطعات لجهود اكثر من كادر أو مجموعات عمل تلك التي يجب ان تتحلى بالصبر ولا تستعجل طلب الإثابة أو التفاخر بتحقيق الإنجاز.
لقد طرحت الثورة الفلسطينية شعارا في أحد عناصر بنائه كان الصبر، وهو شعار (ثورة حتى النصر) والذي يرسم في باطنه قاعدة الاستمرار والديمومة من خلال الإشارة إلى ان تواصل الثورة لا يحده زمان ولا مكان وانما تحقيق الهدف وهو النصر، ورغم ان (الانسان خُلِق عجولا) إلا ان فقدان الصبر وخاصة لدى القوات يمثل إثارة للبلبلة والفوضى وانتصار للقوى المضادة التي تسعى دوما لقتل روح الصبر لدى الكوادر والشعب بتشكيكه الدائم بصحة أهدافه قصيرة المدى وطويلة المدى وبإفقاده ثقته بقيادته ومؤسساته وغاياته مما يؤدي لوقوع الكوادر في شراك الانتهازيين والمتسلقين.
ان الصبر والقدرة على تحمل المشاق يجب ان تكون من أبرز سمات العسكري الجاد، ورجل الأمن الفاضل، الصبر على التعب الناتج عن طبيعة العمل ، والصبر في التعامل مع الآخرين، والصبر أثناء التدريب العسكري أو الأمني، والصبر على المكارِه، والصبر بعدم توقع النتائج قبل الأوان ، والصبر في تواصل الجهد والعمل ، والصبر حتى تنضج الظروف ويتحقق الهدف.
سادسا: شدة الملاحظة
ان العمل الأمني، والعمل العسكري يتميزان بأنهما في حالة صراع دائم مع عدو، وفي هذا الصراع يسعى كل طرف مع نقيضه على تطويع أو تدمير أو إخضاع الآخر. ان الصراع الذي تتفاعل فيه عوامل عدة يؤدي لان يبتكر كل طرف وسائل وأساليب لتحقيق انتصاره وتعتبر الملاحظة أول المؤشرات الدالة على نوايا أو أهداف أو خطط العدو والتي قد يعبر عنها مظاهر أو أفعال أو معلومات قد تبدو بسيطة ولكنها تخفي وراءها الدمار والويلات. ان الملاحظة وسيلة هامة من وسائل جمع المعلومات والملاحظة الدقيقة المثمرة أو ما أسميناه (شدة الملاحظة) ليست بالأمر الهين فقد لا يلاحظ الانسان العادي من الظواهر إلا ما يتصل باهتماماته أو ما يتفق مع اتجاهاته و أغراضه كما يقول علماء النفس ومن هنا يأتي دور رجل الأمن الذي تكون ملاحظاته اكثر دقة وقربا من اهتماماته التي تمثل أمن الوطن والمواطن ، لذلك فان على عاتق الكادر في القوات والأمن ان يولي اهتماما خاصا لملاحظاته في بيئته ومجال نشاطه ومكان عمله و إقامته وان ينقل ملاحظاته لأي مظهر فريد أو جديد أو نوعي أو غريب أو متغير مهما بدا بسيطا لمدرائه أو ضابطه المسؤول.
ان شدة الملاحظة نقيض اللامبالاة التي تجلب على الوطن والشعب المصائب والكوارث، فان أي ملاحظة لتحرك ونشاطات قوات الاحتلال أو عصابات المستعربين أو جرافات العدو بنفس أهمية الملاحظة لآثار أقدام جديدة، أو بقايا طعام أو عقب سيجارة من نوع محدد، أو ورقة تحوي أخبار ما، أو نظرات مريبة وتصرفات مضطربة لغريب في الشارع.. الخ، لهذا فان على الكوادر الأمنية والعسكرية ان تتمرس بالملاحظة الدقيقة وان تعمل في المقابل على عدم ترك أية آثار أو إشارات تلفت نظر أعدائهم لمخططاتهم أو أهدافهم أو وجودهم.
لقد قادت الملاحظة الدقيقة العالم الشهير (باستير) إلى اكتشاف ( البنسلين) وكانت ملاحظة عدد الجمال التي ينحرها جيش المشركين مدخلا لتحديد عدد قواتهم المرابطة لمهاجمة المسلمين في معركة بدر ، كما أفادت الملاحظة البسيطة لترك الأطفال دون زجر من قبل أمهاتهم عند الإخراج عند الصينيين والعقوبة التي تفرضها اليابانيات على أطفالهن للعمل نفسه أفادت في التحليل النفسي لهذه الشعوب في الحرب العالمية الثانية ، وهناك عديد الأمثلة على أهمية الملاحظات أثناء المعارك وفي الحروب والتي تدفعنا جميعها للتمتع بحس عال من المسؤولية التي تنفض عنا غبار الإهمال أو التواكل أو الكسل أو اللامبالاة والاتجاه نحو الجدية والنشاط وشدة الملاحظة .
سابعا : التركيز
ان السلوك الإنساني في المنظمة أو الوحدة العسكرية أو داخل الجهاز الأمني يتحدد بالأفعال وردود الأفعال التي تنتج علاقات واتصالات وتفاعل قد يكون إيجابيا وقد يكون سلبيا، والأفعال كأحد مقومات السلوك هي وسيلة تحقيق الأهداف، ولا يمكن تحقيق أي عمل إلا بتضافر عناصر الإرادة والقدرة والإمكانية، فالإرادة تعمل في ظل وجود القدرة والقدرة تتحول لعمل بالإرادة وحين توفر الإمكانية.
يقول الرسول عليه الصلاة و السلام (ان الله يحب إذا عمل أحدكم عملا ان يتقنه) وفي قول آخر أن يكمله وبالتالي فان اكتمال العمل يستدعي توفر عوامل الإرادة والقدرة والإمكانية ثم أداء الفعل ذاته وإتقانه الذي لا يتحقق بالا بالتركيز. والتركيز ما هو إلا التكريس الكلي للحواس لتحقيق الغرض باستبعاد المؤثرات البيئية الداخلية أو الخارجية، فالعامل في مصنعه إذا لم يعتمد التركيز في عمله بمعنى التوجه أو التكريس الكلي له فقد يفقد إصبع من أصابعه أو يفقد عضو من أعضائه ، وفي نفس الوقت لا يحقق الجودة المطلوبة في عمله.
والجندي الذي يطلق النار نحو الهدف إذا لم يعزل خيالاته وتصوراته وما يرِد على ذهنه حين القيام بالفعل لربما يتضرر شخصيا ، أو يؤذي أصدقائه أو يحيد عن إصابة هدفه. وتحقيق التركيز يعني الأداء والإنجاز حال توفر المهارة بشكل متقن.
وفي الحرب النظامية يورد كتيب حركة فتح حول قواعد المسلكية في المجال العسكري ان (التركيز يعني التركيز على النقطة الأساسية عند العدو وضربها بشدة وبكل قوة يمكن حشدها وذلك لارباك العدو وسحقه ماديا ومعنويا ومنعه من التقاط أنفاسه وحرمانه من أي شكل من أشكال المرونة لإعادة تجميع قواته.)
بينما في قتال المدن فان عمليات التخريب تتطلب التركيز على الهدف وتنفيذه بأقل الأعداد البشرية. وفي كل الأحوال يجب ان يتلاءم التركيز والمرونة حتى لا يصبح أحدهما على حساب الآخر .
ان التركيز حالة عقلية ونفسية تتطلب قدرا من الاستعداد والتهيؤ، كما تتطلب الصبر والجِدّ والدأب، فرجل الأمن الذي يتلقى عشرات التقارير لا يستطيع ان يفصل فيها إلا إذا تحلى في عمله بالتركيز ليستطيع تفكيك المسألة لعناصرها ثم يعيد تجميعها وربطها بشكل جديد، وباستنتاجات مهمة لا تظهر إلا إذا كان التركيز أحد ابرز صفات عمله.
ان الالتفات للقشور والتعامل مع الأمور بإهمال والمرور على الحوادث والمواقف والأفعال بسطحية ودون روية وتركيز لا يصنع كادرا ولا يبني رجل أمن ولا يخلق عسكريا.