عناصر السلوك العسكري 3
ثامنا : روح البحث والتقصي
هل من الممكن ان نطبق مفهوم البحث (العلمي) على السلوك العسكري من زاوية تنمية روح البحث لدى الكوادر؟ البعض قد يظن صعوبة ذلك ولكننا نقول ان السلوك بعنصر روح البحث قابل للتنمية والتطوير ، وبما ان البحث يفترض وجود (مشكلة ما) تم التوصل إليها من خلال روح النقد عبر الملاحظة أو الاستقراء، أو من خلال المقابلات واللقاءات والتحقيقات ومعالجة المعلومات (في أجهزة الأمن) أو من خلال الملاحظة والاختبارات ودوريات الاستطلاع… الخ (في القوات) فان وجود هذه المشكلة يتطلب الإصرار عبر التسلح بروح البحث والتقصي لتحديد التالي:
أ- تحديد جوانب المشكلة.
ب- جمع المعلومات عنها (المنظمة، الجهة، الأفراد، الجوانب الهيكلية، الوظيفية، السلوكية، العوامل المؤثرة...).
وعليه فان عملية إنجاز البحث أو حل المشكلة تتطلب الدخول في سلسلة تبدأ بعد جمع المعلومات والملاحظات بتحديد أو تعريف المشكلة، ودراسة المتغيرات المحيطة بها ومن ثم وضع الفرضيات والعودة لاستكمال جمع المعلومات وتحليلها وتفسيرها وصولا للاستنتاجات أو اتخاذ القرارات، لان إنجاز أي عمل بنجاح أو إتقان يتطلب معرفة واضحة بأساليب العمل وأهدافه والظروف البيئية المحيطة به وكذلك الأمر فيما يتعلق بالعمل الأمني أو العسكري والذي يحتاج مزيدا من الدقة ، وقصد البحث والتحري والتقصي لجذور الحوادث والمواقف والمشاكل والتعرف على تفاصيلها وجزئياتها حتى يمكن إنجاز العمل بفعالية . (ان المسلكية الثورية في المجال العسكري – كما تذكر أدبيات فتح – تقتضي من المقاتلين ان يرصدوا الهدف جيدا، وان يستطلعوه من كافة الجوانب كالوضع البشري والتسليح والتحصين ونقاط الضعف وكيف ومن أين ومتى يجب ان يهاجم، ان روح البحث والتقصي الاستطلاعية هي من الضمانات التي تستلزمها الحركات الثورية في مسيرتها لتحقيق النصر، والمعرفة والاستقصاء يجب ان لا تقتصر على معرفة العدو، فعلى المقاتل ان يعرف ذاته وقدراته، ان يعرف حالة المجموع ا لتي يعمل أو يقاتل معها وإمكانياتها بدقة…).
ويجب ان تترابط روح البحث والتقصي مع الانضباط العسكري للمراتب الأعلى ومع عناصر الصبر والمرونة والتركيز.
تاسعا : حضور البديهة
ان القدرة على مواجهة الخطر أو المشاكل و المكارِه والتحكم في ردود الأفعال عبر تقرير الاستجابة المناسبة في زمن قصير يتطلبه الموقف هي ما نطلق عليه حضور البديهة أو سرعة البديهة، وهذه قدرة نفسية عقلية قد لا تتوفر لعدد كبير من الكوادر، ولكن إمكانية تنميتها وتطويرها واردة وقائمة عبر التثقيف المستمر والتركيز والمِران والاستفادة من التجارب الخاصة والعامة مما يخلق من الكادر التنظيمي، أو الكادر الأمني، أو الكادر العسكري إنسانا فطِنا سريع البديهة صائب النظرة، ولا نجد افضل مما كتبه الرواد الأوائل في حركة (فتح) حول هذا الموضوع في الأدبيات أيضا وتحت نفس العنوان ، حيث يذكر ان الثائر مطلوب منه دائما (ان يكون حاضر البديهة متوقد الذهن بحيث يتخذ ردة الفعل الإيجابي المناسبة السريعة لأي عمل عدواني يستهدفه كشخص أو يستهدف حركته الثورية) ان (الفِطنة تنجي الأفراد والمجموعات من شرائك الأعداء ومطباتهم بعكس الجمود والتبلد والخمول الذهني الذي لا يضر بالفرد المقاتل لوحده وانما بالمجموعة التي هو جزء منها) (فالتقاط القنبلة و إبعادها أو ردها إلى قاذفها هو من الأمثلة العسكرية لحضور البديهة، وان اتخاذ الموقع السليم والشكل المناسب أثناء التعرض للاشتباك أو لغارة جوية أو لقصف مدفعي يساعد على حماية الأعضاء ويكرس قدراتهم الدفاعية والهجومية على حد سواء.) (ان العمل الجماعي العسكري يتطلب من الفرد – القائد – معرفة حاجات الجماعة والأفراد والعاملين معه بصورة تلقائية وبفطنة ثاقبة تستلهم من الحركات والنظرات معاني لا يمكن ان يفهمها البليد الخامل).
والكوادر أو القيادات العسكرية والأمنية والتنظيمية يجب ان تكون الأكثر فطنة وسرعة للبديهة لانهم الأقدر على رؤية الصورة الأشمل، والأكثر قدرة على بناء الإيجابيات وتقليص أو تجنب الوقوع في السلبيات.
عاشرا : الخشونة
كما كان من وصايا الرسول المعروفة الاهتمام بنظافة النفس والجسد والطهارة الدائمة وعدم الإسراف في الماء (حتى لو كنت على نهر جار) و لإمكانية توقع حدوث الأسوأ وعدم توفر الماء في ظرف من الظروف كان أيضا من وصايا الرسول عدم الركون للنعومة وطيب العيش لذلك كانت دعوته للخشونة لإمكانية توقع حدوث الأسوأ.
وفي الجيوش والحركات الثورية كما هو الحال مع كل من يريد سمو النفس وتهذيب الروح وحسن الطوية والطليعية فان الخشونة تعتبر اختيارا قد يكون صعبا وشاقا ولكنه استعداد دائم لتحمل الأسوأ وتوقع الأصعب ومواجهة الأخطر.
ان من ضروريات إنجاح العمل العسكري هو الاستعداد لتحمل المشاق وشظف العيش وعدم البكاء على الراحة والتنعم ودِعة العيش وبالتالي تكون الخشونة في العيش أو الاستعداد لتحملها امتلاكا لعزة النفس والمروءة والتي هي (أهم مما يمتلكه المتنعمون على الريش تحت سياط الذل النفسي والمعنوي والاقتصادي) أولئك الذين يحاولون قلب القيم والمعتقدات لصالحهم ولا ينجحوا.
وكما ان اللياقة البدنية تعني ببناء الجسم والذي يؤدي بالضرورة للحفاظ على قوة البدن ومرونته، فان الخشونة متلازمة مع الحفاظ على اللياقة، والتي لا تعني هنا خشونة الطباع والتعامل بمعنى العجرفة وقلة الأدب والسلطوية والتجبر بالآخرين الذين يجب ان يعاملوا بكل محبة واحترام بعيدا عن القسوة أو الخشونة .
حادي عشر : التدريب
ان التعليم ما هو إلا عملية تنمية ثقافية للفرد تكسبه قدرات فكرية أو تطبيقية أو مفاهيمية بينما يعرف التدريب بأنه (تلك العملية المنظمة المستمرة التي تكسب الفرد مهارة أو معرفة أو قدرة أو أفكار أو آراء لازمة لاداء عمل معين أو بلوغ هدف معين )، والتدريب ان اعتبر شكلا من أشكال التعليم فانه يهدف لتعديل السلوك أو تغيير الأداء، ويتصف التدريب الجيد والذي يعتبر أحد أهم ركائز العمل عامة والعمل العسكري خاصة بالشمولية لكافة الاحتياجات التدريبية، وبالاستمرارية دون انقطاع وبالتدرج في الطرح والهادفية.
ان العسكري أو رجل الأمن لن يستطيع ان يقوم بالأعمال الموكلة له دون ان يحصل على تدريب جيد ومستمر يمكنه من التعرف على دقائق مهمته أو واجبه وتقنية عمله وأساليب الأداء، ففي الحرب على سبيل المثال لا يستطيع العسكري ان يقوم بواجبه جيدا دون معرفته لطبيعة سلاحه وخواصه وميزاته ومداه وكيفية استعماله ، ولطبيعة الدور المناط به ، والموقع أو المكان الذي سيلتزم به . ان التدريب الجيد يعني أربعة أمور أولها تحسين طريقة الأداء وثانيها رفع المعنويات باكتساب الثقة بالنفس وبقدرته على العمل كما يعني ثالثا تخفيض الأخطاء والخسائر ورابعا يحقق التدريب حماية شخصية وأمان نفسي.
قد تختلف مجالات التدريب بين العسكريين وبين رجل الأمن فالأول مجاله ميدان المعركة وحماية الوطن بالسلاح وبالتالي فان التعرف على كافة أشكال الأسلحة والتدريب عليها يصبح من الزم أولويات تدريبه إضافة لضرورة اكتسابه للعلوم العسكرية من استطلاع وتقسيم الجيوش إلى سرايا وكتائب وفرق.. الخ، والتعرف على أساليب الاتصال والتمويه والخداع والتفجير والتخريب والطبوغرافيا والجغرافيا وأساليب الحرب النظامية وغير النظامية والتدريب الجسدي الشاق، بينما قد يصبح جمع المعلومات وتقاطعها وتحليلها واستقطاب المندوبين وبث العيون ومحاربة التجسس والملاحقة والاعتقال والتحقيق ومكافحة التخريب الداخلي وحماية أمن المواطن والقيادة والمؤسسات والوطن ومصالح المواطنين في الداخل من الزم مهمات رجال الأمن والتي يجب ان يتدربوا عليها، ورغم ذلك فان هناك العديد من المواضيع التي من الواجب ان يتعلمها رجل الأمن أو العسكري والتي تتعلق بتاريخ فلسطين ، وفلسفة السلطة، والتعرف على الحركة الصهيونية والدولة العبرية ومسيرة الثورة والقضية الفلسطينية والأفكار السياسية السائدة في المجتمع إلى جانب التعرف على مفاهيم العمل السليم من تخطيط وتنسيق وتنظيم وتوجيه ورقابة ونقد وعمل جماعي كل ذلك برباط متين وقاعدة صلبة من الأخلاق والقيم الحضارية العروبية التي تسعى لتدريب الفرد على تنمية قدراته الذاتية والفكرية والنفسية والجسدية والخلقية واحترام الجماهير ومحبتها والتعلم منها وخدمتها.
وكما تذكر أدبيات حركة فتح فان (التدريب عملية لا تنتهي بالخروج من معسكر التدريب – أو قاعدة التدريب – انه عملية مستمرة تبدأ في معسكر التدريب وتتصاعد باستمرار بالممارسة العملية اليومية وفي ساحات القتال، فالتعرف على السلاح جيدا يتم باستخدامه، ورفع الكفاءة القتالية والقدرة المعنوية يتم بخوض المعارك).
(ان اخطر ما يمكن ان يصل إليه المقاتل-ولنقل أي كادر أيضا- هو الشعور بالمعرفة الكاملة، وبعدم الحاجة للتعلم والتدريب، هذا الشعور يجعله يتجاوز الثقة بالنفس إلى درجة الاستهتار).
ان أهمية عقد الدورات التدريبية تنبع من أنها تحقق أهدافا عدة مرة واحدة فكما تزود الكادر ،العسكري ، رجل الأمن ، والكادر عامة بالعلوم والمعارف والثقافة فإنها ترسخ الفكر الوطني والقومي والحضاري للامة فيه ، وترسم له أشكالا جديدة للعمل أو النضال وتعمل على تنمية قدراته في أداء مهماته وواجباته ، والتحكم في أدوات عمله وتهدف أيضا لحث التعديل أو التغيير في السلوك والأداء وكل ذلك يجب ان ينبع من تكامل مواضيع الدورات وكفاءة المدربين واختيار الوقت المناسب وتأهب الكوادر.
ثاني عشر : الاستعداد الدائم
ان عملية التأهب والاستعداد الدائم، هي طبيعة حياة الكادر ،الكادر العسكري ورجل الأمن الذي يجب ان تكون كتيبته أو وحدته أو جهازه أو عمله بيته الثاني أو الأول أحيانا، فعبء المسؤولية الملقاة على عاتق هذا الكادر هي بعظم الاستخلاف الإلهي للإنسان لأعمار الأرض وحماية المنجزات البشرية . ان التربص الذي يميز أي عدو حقود يتطلب منا اليقظة الدائمة والاستعداد الدائم للرد على أي هجوم عسكري أو إعلامي أو فكري أو اقتصادي أو اجتماعي أو نفسي (الحرب النفسية والشائعات ) يشنه العدو على مجتمعنا أو سلطتنا أو وحدتنا ، وهذا لا يتطلب ان يفكر كادر العسكر أو الأمن بعقلية الموظف أو العامل العادي الذي تنتهي مهمته عند حدود إنجازه اليومي لعمله، وانما يتطلب منه ان يكون مستعدا دوما للالتحاق بموقعه بغض النظر عن ساعات العمل الرسمية، (ان حالات الاسترخاء واللامبالاة والاستهتار بالعدو هي مؤشرات تجدد للقوى المعادية هدفها وتحدد لها كيف، ومتى تستطيع ان تحققه) والاستعداد الدائم يعني خلق جو من المسؤولية بين صفوف الجماهير (تدفعها لتحمل أعباء حماية نفسها والدفاع عن وجودها ومنجزاتها ومكتسباتها) لأنه وكما تقول حركة (فتح) عن الحرب الشعبية طويلة الأمد (لا يتم إبطال مفعول مفاجئات العدو بفعالية أعضاء الحركة الثورية وحدهم ، وانما بتلاحمهم مع الجماهير التي تشكل عيونا وحماية حقيقية لهم)، ( ان الاستعداد الدائم واتخاذ كافة الإجراءات الوقائية والاحتياطية لأي احتمال يمكن للعدو ان ينفذه هو إعداد لفعل إيجابي في الصراع يحول فعل العدو الهجومي في لحظة الممارسة إلى ردة فعل دفاعية تفقده توازنه وتربكه ماديا ومعنويا).
ثالث عشر : اليقظة والحذر
يقول عليه الصلاة و السلام (المؤمن كيِّسٌ فَطِن)، ويقول (المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين) ويقول المثل العربي القديم (من مكمنِه يؤتى الحذر) وذلك لان الحذر من حُسن الفِطَن، والحذر اكثر ما يكون مطلوبا في ظل عدم الاستقرار أو فقدان الأمان أو أثناء الحرب أو المقاومة والمواجهات أو كثرة الشائعات، وفي حالات الجوار مع مسالم لئيم، أو عدو صريح، وكل ذلك لا يعني بأي شكل من الأشكال ان تتحول اليقظة والحذر والأمن إلى وسواس وتطرف يعيق العمل والحركة .
إن العمل الأمني والعسكري والتنظيمي أيضا يتطلب في مواقف عدة نسبة عالية من اليقظة والحذر فكما يتصدى العسكري أو رجل الأمن لعدوٍ إرهابي ومحتمل ذو عقلية استعمارية وتوجهات عنصرية فإنه لزاما عليه من منطلق وعيه بطبيعة هذا العدو وعقليته وتوجهاته أن يبقى دائما على حذر منه ويقظة دائمة لان (تحقيق الأمن العسكري باليقظة الثورية الدائمة يؤكد المسلكية الثورية في المجال العسكري ويؤمن للعضو إمكانية استمراره بالنضال أولا وإنجازه الإيجابي للمهمات ثانيا ) كما تذكر أدبيات الحركة.
ان تعلم قواعد الأمن ضرورة أساسية قبل أداء المهمة وأثناءها وبعدها وكذلك التمسك بالأمن الشخصي، و أمن الجماعة وأمن الحركة والاتصالات، (ولكن بداية التنفيذ الفعلي للمهمة تتطلب عدم المبالغة بالأمن والحذر لان ذلك قد يكبل الحركة والمرونة ويلجم المفاجأة والشجاعة ويفسد الخطة بكاملها).
إن تنفيذ الواجب بأقصى درجات الفعالية يتطلب المرونة والحركية والإقدام والشجاعة على حساب الحذر والتخوف والأمن .
المراجع لدراسة عناصر السلوك العسكري :
1- بكر أبو بكر ، مبادئ المسؤولية التنظيمية ، مكتب التعبئة والتنظيم ، تونس 1993
2- د. مختار حمزة، أسس علم النفس الاجتماعي، جدة، دار البيان العربي، الطبعة الثانية 1982.
3- د. نافذ أبو بكر، ورقة حول كيف ننجز البحث العلمين جامعة النجاح، 1997.
4- محمد طاهر الخاقاني، علم الأخلاق، بيروت، دار الهلال، 1987.
5- أدبيات حركة (فتح) ، قواعد المسلكية الثورية.
6- د. سعد عبد الرحمن، السلوك الإنساني ، الكويت، مكتبة الفلاح، الطبعة الثانية 1977.
7- مدرسة الشهيد ماجد ابو شرار لإعداد الكوادر، القيم والأخلاق، دراسة أعدت مسبقا في تونس .
8- بكر ابو بكر، التدريب في دورات التوجيه السياسي والوطني، دراسة، رام الله 1996.
9- د. فاخر عاقل، علم النفس، بيروت، دار العلم للملايين ،ط11 ،1991 .