فتح 2009 استحقاق التغيير الجزء الثالث والأخير
18-01-20097) الفصل بين عمل الحركة و السلطة
خاضت الحركة تجربة جيدة في السلطة حيث استطاعت كوادرها أن تحقق 3 أمور أساسية :
1. استطاعت بناء مؤسسات السلطة .
2. أعطت مظهرا حضاريا و مهنيا لهذه المؤسسات .
3. حققت الثقة التي جلبت الدعم العالمي.
و رغم ذلك فلقد شاب التجربة عديد من المفاسد و المساوئ و الخطايا، وهي على قلتها إلا أنها كانت واضحة كعين الشمس، و على محدوديتها إلا أنها كانت من قبل بعض كادرات الحركة العليا، ما أعطى صورة سلبية عن حقيقة فتح عامة انعكست داخلياً من خلال الانتخابات التشريعية – و ضمن عوامل أخرى – عام 2006، إضافة للنفخ الإعلامي الإسرائيلي و الغربي و الفلسطيني المناوئ.
رغم عديد الإيجابيات و الانجازات التي حققتها كوادر فتح في السلطة إلا أن الصورة المعتمة سادت و لا سيما أن الفروقات بين العمل في السلطة و فتح بدت باهتة ما استدعى -وأن في مرحلة متأخرة- أن تقرر فتح الفصل الواضح بين الأطر التنظيمية و بين الكادر العامل في الأجهزة الأمنية من جهة، و بين طبيعة عمل الإطار التنظيمي (التطوعي) و العمل في السلطة (الوظيفي المهني )، فلم يعد ملزما أن تكون العلاقة عكسية بين الإطارين.
8) نجاح المحكمة الحركية
رغم أن القضاء الثوري أو المحكمة الحركية منصوص عليها في النظام الأساسي لحركة فتح إلا أنها لم تفعّل إلا حديثا بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة التي أخفقت فيها فتح.
و كانت هذه المحكمة مطلبا حركيا متكررا. وهاهي قد انتصبت واقعا ملموساً و قامت بحل عديد من القضايا الحركية المستعصية باقتدار يؤشر على نجاح أصبح من عناوين الحركة الإيجابية، لا سيما أن رئيس و أعضاء المحكمة من القيادات و الكادرات الحركية ذات التاريخ و السمعة و القدرة على الإنجاز.
9) انتصار الديمقراطية و التشاركية
ليس من السهل على تنظيم ثوري وطني اكتسب شرعيته من نضاليته أن يتخلى عن المركزية في التنظيم لا سيما و كافة تجارب الحركات النضالية الثورية قد ارتبطت فيها أركان الضبط و الالتزام و الطاعة بدرجة جعلت من الديمقراطية في مستوى متدن أو محدود ضمن الأطر العليا.
أن حركة فتح في الوطن قادت مبادرة التغيير في نسيج الحياة التنظيمية وانتقلت بالحركة من الديمقراطية المركزية المفرطة إلى التطبيق الديمقراطي .
ما زالت هناك أصوات تتشدد في مفهوم تطبيق التقابل بين الديقراطية و المركزية معا فيما يسمى (المركزية الديمقراطية) للدرجة التي تم بناء النظام المقترح للمؤتمر السادس بشكل مختلف لكل من أقاليم الوطن و الخارج.
أن التجارب التنظيمية الثلاث الأساسية المختلفة ما بين تجربة القواعد الفدائية وتجربة التنظيم وتجربة المعتقلات قد أفرزت في فتح مجموعة اجتهادات، و بما يتعلق بالديمقراطية:منها ما يجنح ويميل للمركزية و منها من يميل للديمقراطية و كثيراً منهم ما زال مؤمنا بالتقابل ضمن المفهومين.
أن التطبيق العملي قد كرس الديمقراطية متمثلة بالمؤتمرات و الانتخابات التي أفرزت أفكاراً وأساليبا جديدة، كما أفرزت أشخاصا جددا، هذه الديمقراطية ستفرض نفسها على ثوب الحركة ما احتفظت بدوريتها و قدرتها على المحاسبة و العمل و التجدد.
لأول مرة في تاريخ الحركة يتم عرض البرامج: السياسي و الوطني و التنظيمي، المقترحة على كافة الكوادر ليقوموا بمناقشتها و وضع التعديلات و المقترحات عليها ما أسس فعليا لعقلية المشاركة الواسعة (وهي عقلية ناشئة) كما كان لتوسيع اللجنة التحضيرية للمؤتمر أن أعطت بعداً ديمقراطياً وتشاركياً هاماً، يجب أن يتم تكريسه من خلال إحداث حالة تغيير وتجدد في المواقف والأفكار والقيادات في المواقع الأولى في المؤتمر القادم.
10) عقلية الفدائي: التضحية و الإيمان بالنصر
لا شك أن الكوادر في السنوات الأربعة الأخيرة قد ضخوا مجموعة جديدة من القيم والممارسات التي أغنت الحركة و أسفرت عن قيمة أساسية بدت بارزة هي: التضحية، فلم تعد المواقع و الوظائف و المساعدات المالية هي القوة الجاذبة، لا سيما و أن السلطة الآن ليست بيد فتح. و مع ذلك تتزايد أعداد المنتمين للحركة و خاصة في صفوف الطلاب.
لقد كانت لجاذبية فكر الحركة الوطني الوحدوي الاستقلالي الوسطي، و لكارزمية قيادتها و على رأسهم الزعيم الخالد أبو عمار، و لملامسة الحركة لنبض الشارع واحتياجات الجماهير، ولواقعية أهدافها و نظرتها الواعية للأمور، ولرفضها الاقتتال الداخلي وحفاظها على الوحدة الوطنية أن أثرت في عمليات الاستقطاب والجذب للكوادر، والتي أصبح عندها-أي هذه الكوادر- التضحية بالجهد والوقت والعمل قيمة تحترم، ستتلوها بالضرورة الوعي بأهمية العمل بروح الفريق في مقابل الأنانية والفردية أو الشللية التي سادت لفترة صعبة في داخل فتح ، وفي وعي مجموعة لا بأس بها فيها.
إن قيمة الإيمان بالله سبحانه وتعالى، و الإيمان بالنصر، و الأيمان بالمبادئ والإيمان بالذات وقدرة الإرادة على الفعل هي قيم تمثل كنوزاً فتحوية يجب الحفاظ عليها ما دامت تلمس العقل والروح وترتبط بالله و بالنصر، و ما دامت خدمة الشعب و تحقيق الأهداف تفترض العزيمة و حسن التنفيذ للأعمال.
إن عقلية الفدائي هي أحد أهم عناوين الحركة و رغم ما شاب مراحل انحدار من تمكن عقلية الأخذ، فإن العطاء المرتبط بالفدائي بدأ يشرق ثانية .
فتح الرؤية و الرسالة
إن بناء أي استراتيجية للتنظيم السياسي تحتاج في البدء لوضوح في الرؤية أو الرسالة ليصار تحليل مختلف العوامل التي تؤدي لاختيار الأهداف ثم رسم الاستراتيجية.
إن الاستراتيجية هي الجسر الرابط بين الوسائل و الغايات. و المفكر الاستراتيجي لا ينظر تحت قدميه، و إنما على مد البصر. لذلك فإن تغذية الاستراتيجية يتم عبر القدرة على الرؤية فرسم الأهداف وفق تحليل عقلاني لمختلف عوامل القوة أو الضعف، و في تحديد واضح للتحديات في البيئة، و تصنيفها ضمن أولويات ، واكتشاف الفرص أو الخيارات المتاحة، ثم اتخاذ القرارات بشأنها وتنفيذها .
أن حركة فتح التي انتقلت باستراتجيتها العامة في ثلاثة مراحل كبرى من استراتيجية حرب الشعب طويلة الأمد إلى استراتيجية الكفاح المسلح و العمل السياسي إلى الاستراتيجية الثالثة: وهي استراتيجية كافة أشكال (أذرع) النضال ،كانت في كل مرحلة قد نظرت في مختلف العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية و النضالية و رسمت الرؤية المناسبة وإن كان ذلك يتم دوما بمشقة وصعوبة.
إن رؤية حركة فتح واستراتيجياتها قد تحددت مؤخراً من خلال البرنامج السياسي المقترح المقدم للمؤتمر السادس الذي من الممكن أن نختزل منه هذه الرؤية والاستراتيجية في النقاط السبعة الأساسية التالية:
1. إزالة الاحتلال و إقامة الدولةالفلسطينية
2. استرجاع غزة للشرعية
3. تفعيل أطر(م.ت.ف)
4. رسم صورة مشرقة لحركة فتح
5. تفعيل دور فتح في المشروع النهضوي العربي الإسلامي
6. قيادة المشروع الوطني عبر السلطة
7. تحقيق علاقات عربية و عالمية متوازنة.
إن الرؤية الفتحوية واضحة حيث أن التناقض الرئيسي هو الاحتلال، ومقاومة و إزالة الاحتلال مازال الواجب الأول للحركة ، وإقامة الدولة، على عكس ما يقول –وفعل- عدد ملموس من قيادات حماس الذين غلبوا التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي ما ظهر في مستوى القتل المخزي في غزة لكوادر فتح أثناء الانقلاب الدموي، وفي مواقف هذه الجماعة التي ترى في تدمير حركة فتح حربها المفتوحة حتى في ظل آلاف الأطنان من القنابل التي سقطت على غزة الصامدة.
إن رؤية فتح في استعادة غزة للشرعية ترتبط بشكل وثيق بثلاثة مبادئ أولها جلب الطرف الآخر للحوار و ثانيها أن الوحدة الوطنية هي الوعاء و ثالثاً تحريم و تجريم الدم و هو ما دعى كوادر الحركة لأن يتراجعوا أمام الانقلاب وينسحبوا من المواجهة ، و هو ما جعل من تبني الديمقراطية و الشفافية والمشاركة هو الحل الناجع لدى الحركة.
وفي ظل العدوان الوحشي على غزة –الذي داهمنا في نهاية كتابتنا لهذه الورقة-يصبح هذا الهدف المحدد مسبقا في وثائق الحركة مرتبطا بالحفاظ على التشاركية والتعددية للجميع بلا إقصاء تحت أي ظرف، كما نرفض الغمز الفاشل لقنوات مشبوهة تدعي امكانية عودة السلطة أو فتح للقطاع على ظهر دبابة اسرائيلية متناسين أن فتح لم تغادر القطاع أصلا فهي ما زالت تشكل رقما رئيسيا فيه ، ومتناسين من استخدم السلاح ومن تراجع أمام الدم.
لا شك أن إزالة الاحتلال و استرجاع غزة يتكامل مع تفعيل أطر (م.ت.ف) في جانبها الديمقراطي، و في ضخ دماء جديدة في مؤسساتها مع خطط و برامج تشمل الوطن و الخارج.
إن الصورة المشرقة لحركة فتح تظهر من خلال النهل من الثقافة الفلسطينية وهي الثقافة العربية الإسلامية و المسيحية في بلادنا، ما يجعل لفتح ضرورة أن تفتح صفحة جديدة لتمتد خارج إطارها لتساهم في إثراء هذه الحضارة وحوار الحضارات و تحقيق منطق الاعتدال و الوسطية و تلاقح التجارب.
إن اعتدال و ديمقراطية واستقلالية و وسطية الفكر في فتح يعني العقل المفتوح و الرأي و الرأي الآخر كما يعني أن المشروع النهضوي يحتاج لجهود وأفكار، وآراء لاتهمل عمقنا الاستراتيجي و ثقافتنا وحضارتنا.
لا يوجد تنظيم في إطار دولة أو سلطة يهمل تطبيق برامجه و خططه لأن رسم الصورة المشرقة للتنظيم تظهر من خلال ممارسات و عمل و أداء أعضائه عبر مختلف الخطط و النشاطات. لذلك فإن فتح و خاصة بعد التغيير الذي حصل في الأطرعبر الانتخابات مدعوة لتوحيد الخطاب السياسي والتنظيمي والجماهيري، ومدعوة لإعداد الخطط و البرامج و تنفيذها بفعالية ما سيحقق الصورة المشرقة والحقيقية لهذه الحركة العملاقة.
إن النقاط السبعة الأساسية التي تمثل رؤية فتح الحالية تترابط مع ضرورة ربط علاقات إقليمية وعربية و أوروبية و آسيوية أي عالمية متوازنة، فقضية فلسطين يجب أن تظل عامل الالتقاء و عامل الجذب و عامل الوفاق ، وكما قال الرمز العالمي الخالد ياسر عرفات معا وسويا حتى النصر.
خاتمة:
أن مداخل التغيير في حركة فتح تلك التي عددناها كمتغيرات ميدانية وأفكار ومنهج ورؤى حركية تتحاج منا لجهد مضاعف وعمل لا يستكين وإرادة لا تلين لنخرج المولود الجديد .
وفي ذهننا أن فتح برجالها الأشداء ونسائها وبقدرتها على الفعل وقهر المستحيل تستطيع أن تقول لا للمخرجات السلبية ونعم للتغيير الى الأفضل.
أن تنظيمات الصوت العالي واستغلال عواطف وإيمان الجماهير لمصلحة حزبية ضيقة مهما ادعت أنها واسعة هي تنظيمات الفعل الهامشي في حياة الناس ، انها تتصلب لفظا وتتنازل فعليا ، تضع نفسها في قالب الطهارة إعلاميا وهي تتمرغ في الدنس فعليا ولأي عاقل أو واعي أو حكيم أن يرى ذلك بأم عينيه ولم تكن فتح ولن تكون من هذه التنظيمات .
أن قدرة فتح على لفظ ونبذ المسيء -حتى وان ظل في صفوفها- هي قدرة تسمح لمن يملك ضميرا أن يراجع ذاته وأن يغير بها ، وتجعل من ذاك الانتهازي مكشوفا بلا سند مخزيا في مربع مغلق .
فتح العفيّة رغم الأوجاع لم تشتبك مع المجتمع أبدا ، فلم تخوّن بلا دليل صلب أو قانون، ولم تكفّر أحدا ، ولم تتهم أحدا بالردة أو الزندقة فتشعل نار الاجتهاد الفاسد ضد هذا أو ذاك فتؤلب عليه القتلة ليجزوا منه العنق، فتح اختلفت وخالفت وامتلكت رأيا فلم تلجأ للاتهامات أو للألفاظ السوقية أو الفاحشة كما لم تلجأ للاتهامات بالوطنية والدين.
لقد أثبتت الأيام أن حركة فتح ما زالت عفيّة كما أسلفنا ، ومهما انهكتها الأمراض فإنه ليس منها مرضا فتاكاً ، وأثبتت حركة فتحا وما زالت أنها تمثل الوعاء الذي يضم كافة شرائح المجتمع دون تمييز في الفكر أو الدين أو المذهب أو حجم ومستوى الإيمان أو الوطنية وأثبتت ثالثا أنها صلبة نتيجة العمق الجماهيري الذي انطلقت من خلاله وما زالت تعيش فيه .