لكي تنتصر فتح قلنا لا

05-07-2009


 كي تنتصر فتح، قلنا لا!
على اثر وفاة الرئيس عرفات تقرر عقد المؤتمر السادس للحركة في العام التالي وبنفس تاريخ وفاته، وكان هذا القرار في حينه يشكل استجابة لمتغير كبير تمثل بوفاة أبو الوطنية الفلسطينية ورافع لواء الثورة العالمية ومحقق الكيانية الفلسطينية رجل الكفاح المسلح ومسيرة الأشواك والوحدة الوطنية القائد الرمز ياسر عرفات.
تشكلت لجنة تحضيرية للمؤتمر برئاسة الأخ أبو مازن الذي اختير قائدا عاما في احد اجتماعات المجلس الثوري اللاحقة، لكن المتابعة للتحضيرية انيطت بالأخ أبو ماهر محمد غنيم مفوض عام التعبئة والتنظيم، وقامت اللجنة بعملها في تجهيز تقارير المؤتمر الثلاثة الرئيسة ( السياسي، النظامي، البناء الوطني ) وعقدت العديد من الاجتماعات لمناقشة هذه التقارير وان في زمان متأخر عن بدء اللجنة أعمالها.

اللجنة التحضيرية والمعيقات
لقد أسهمت متغيرات جديدة كثيرة في إعاقة عمل اللجنة وكلها كانت عبارة عن مجموعة كبوات وصدمات وأزمات وقعت فيها الحركة منذ العام ( 2004-2009 ) وغنى عن الإسهاب الإشارة إلى الانقسام الفتحوي الذي سبق الانتخابات التشريعية عام 2006 ثم ما آلت إليه النتائج، ولم يكد الصف الفتحوي يلتئم حتى انقلبت حركة حماس على الشرعية الفسطينية في غزة من خلال مجزرة دموية راح ضحيتها عشرات الشهداء.
مع التقدير الكامل لعمل ونشاط اللجنة التحضيرية إلا انه -ومع احتساب الكبوات والأزمات- كان بطيئا واخذ وقتا طويلا بحيث اننا لو احتسبنا السنوات الأربع والنصف سنة وقسمنا عدد الأيام على العدد النهائي الذي استقر لمجمل عضوية المؤتمر وهو 1550 عضوا لكانت المعادلة يوما كاملا من النقاش لكل عضو تقريبا.
أن حركة فتح ليست تنظيما عاديا، فلقد عاشت مئات الأزمات التي تكفي واحدة منها لتدمر امة أو مجموعة أحزاب ولكن ياسر عرفات كان يمثل الروح الخالدة والمتجددة، وظن البعض انه بوفاة القائد الكبير فان فتح في طريقها للتداعي والتهاوي وانه قد آن أوان وراثتها لأنهم لا يعرفون فتح ولا يعرفون متانة الفكرة وطبيعة القسم ومضامين الديمقراطية التي تجمع ألوانا كثيرة من الطيف في المحيط الفتحوي، خابت مساعيهم وخاب منهم الرجاء.
مع تعالي الأصوات بضرورة عقد المؤتمر والرفض القاطع لاستكمال شواغر اللجنة المركزية (اللجنة حاليا تتكون من 16 عضوا من أصل 21 عضوا، حيث استشهد5 أعضاء ) وبعد امتصاص صدمة الانقلاب الدموي عام 2007 من الانقلابيين في حركة حماس، جدت اللجنة التحضيرية باجتماعاتها -التي لم تكن كلها سلسة بالضرورة- وكثفت تحركاتها، ثم عقدت لمرة واحدة اجتماعا للجنة التحضيرية الموسعة التي ضمت 80 عضوا (تتشكل اللجنة التحضيرية المضيقة أو العليا من عدد اقل بكثير، وتتكون من أعضاء في اللجنة المركزية وأعضاء من المجلس الثوري) وعلى مدار 3 أيام في قاعة المجلس الوطني الفلسطيني في عمان تم نقاش البرامج الثلاثة المقترحة على المؤتمر القادم وهي البرنامج السياسي والبرنامج الوطني ومقترح النظام الداخلي وكانت الاجتماعات جادة وهامة وخلصت بمجموعة من المقترحات والتعديلات في نصوص الوثائق الثلاث، ألحقت بعدد من الورشات الهامة في أقاليم الوطن.
وأشار القائد العام إلى أن اللجنة التحضيرية صرفت مبلغا كبيرا على اجتماعاتها المتعددة (ما يقارب مليون دولار) في أكثر من ثلاث سنوات، وأشار إلى أن النتيجة لا تتفق مع حجم الإنفاق لذلك كان يرغب بأنهاء أعمالها والتوجه إلى القواعد لتتخذ قرارها ما يؤيد رغبته بعقد المؤتمر، وعلى كل هي ذات رغبة القواعد وان اختلفت الوسائل.

أقلام تشرح الجسد
في كل فترات الاختلاف الفتحوي تجد مجموعة من الأقلام الحاقدة والمسمومة من المقيمين خارج الوطن، ومنهم أولئك المقيمين خارج الوطن العربي يستبيحون دم حركة فتح ويقومون بتشريح جسدها ضمن فرضية يعيشون لحمايتها في عقولهم المريضة هي أن هذه الحركة ماتت أو في طريقها للزوال او تلاشت وهم على قلتهم وعلو صوتهم ثلاث فئات.
الفئة الأولى مجموعة ممن تضررت مصالحهم من صعود فتح واستمرار قوتها وعدم قدرة أي نظام عربي أو غير عربي أو حزب قومي أو اسلامي أو عالمي أن يهدد مكانتها وصحة خطها العام وفكرتها، ومن هؤلاء من كان قزما هو أو والده أو احد أقربائه فتلاشى كما الملح بالماء عندما ظهر المارد الفتحوي واعتلى ياسر عرفات اكتاف الجماهير يهتفون بحياته حيا وميتا، انهم ينتقمون لذاتهم وتخاذلهم فيما مضى بالهجوم على الحركة وتكبير أخطائها وتعداد سلبياتها من زاوية معول هدم لا لبنة بناء.
 الفئة الثانية: وتمثل مجموعة من الصحفيين الذين يكتبون حسب الأهواء أو حسب ما يدفع لهم أو حسب طبيعة النظام الذين يعيشون في كنفه أو حسب معتقداتهم الإيديولوجية البالية، أو ضمن تهويمات حالمين، وهؤلاء أيضا فقدوا الدور فيحاولون أن يستعيدوه بتحليلات مدفوعة الأجر لصالح هذا النظام القمعي او ذاك النظام القمعي أيضا، ولان فتح منذ بزوغ الفجر وحتى الآن تحترم حرية الكلمة والتعبير والقلم والتجمع والتظاهر والرأي احجمت عن الانتهاك للحريات ورفضت الاتهامات فاستدركت هذه الفئة الانتهازية من الصحفيين والإعلاميين والسياسيين ممن هم وراءهم أن فتح لا تقطع أصبعا ولا تكسر قلما فأدخلت أقلامها في جراحات فتح ولم تجرؤ على أن تكتب حرفا ضد هذا النظام أو الحزب القمعي أو ذاك.
 الفئة الثالثة: وهي من الحزبيين الذين كانوا يعيشون السراب ثم أسفر عليهم صبح أحد الأيام فإذا بمعجزتهم التقدمية قد سحبها النمل، أو أولئك النائمون ثمانين عاما ليستفيقوا مؤخرا مذعورين على ضرورة أن يكون لهم دور فلبسوا رداء الخلفاء وحاولوا أن يتشبهوا قليلا بابي العباسي السفاح أو الحجاج أو غيرهم من جلاوزة الأنظمة والمستبدين عبر التاريخ فارتكبوا الفظائع باسم الله والدين وسكبوا فوق رؤوسهم ماء القداسة، وبالطبع تصبح فتح الرحابة والعنفوان والعزة والفكرة التي لا تموت هي هدف سيوفهم وأقلامهم فيشوهون الجسد ويمثلون به تماما كما فعلوا في واقع الحياة.

كشوف أسماء المؤتمر والزمان والمكان
مرت كشوفات الأسماء بعدة مراحل تقلصت فيها مقترحات كشوف المؤتمر ثم تضخمت إلى أن استقرت، فمن فكرة مؤتمر بألف أو اقل إلى حدود ألفين فأكثر وصولا إلى 650 عضوا والعودة للاستقرار لحدود 1550عضوا.
 لقد تذبذبت الأرقام على عدة قواعد منها ضرورة التمثيل الواسع حتى توسع التمثيل وفاض عن الحد، ليخرج أعضاء اللجنة باقتراح 650 عضوا فقط، الذي لقي ثورة تنظيمية داخلية اضطرت كل من اللجنة المركزية والتحضيرية والقائد العام لاتخاذ خطوات مختلفة وصلت أخيرا إلى اعتماد الرقم 1550 خاصة بعد خطاب القائد العام الذي أعلن زمان عقد المؤتمر ومكانه لترد المركزية بما هو مخالف. وكل من الطرفين استند لقرارات المجلس الثوري التي نصت على عقد المؤتمر في عمان أو القاهرة أو الوطن بصيغ لم يتفق على قراءتها الطرفان وهما هنا مجموع اللجنة المركزية من جهة وحلقة القائد العام.

رباعية نجاح الكادر
تحرك الكادر التنظيمي في الأقاليم عامة وخاصة في الوطن ليؤكد على أربع سياسات أو محددات أو توجهات رأى أنها يجب أن تحكم وتضبط إيقاع الحركة والمؤتمر.
أولها : الحفاظ على هيبة ووحدة الحركة : وحدة الفكرة ووحدة الكادر وحدة البرنامج السياسي، ووحدة القيادة دون التعريض أو التفريط بأي منهم على اختلاف وجهات نظرهم، وضرورة وحدة التوجهات فأرجعت القاعدة القيادة لصوابها بضرورة الرجوع للأطر التي عليها أن تقرر في العدد والزمان والمكان حسب نصوص النظام الداخلي للحركة.
 ثانيا : شفافية النظام والالتزام به حيث لم تتقبل القواعد تمرير أي توجه (بصيغة القرار) من أي شخص في القيادة مهما كان موقعه واعتبرت أن النظام والنظام فقط هو صاحب القرار، لذا فعلى اللجنة المركزية او المجلس الثوري أن يتخذ قراره بما يتعلق بالمواضيع المختلف عليها بالنسبة للمؤتمر (وهذا ما كان) وإلا فان المادة 43 تخول ثلث عدد أعضاء المؤتمر الدعوة لمؤتمر استثنائي.
ثالثا: الحفاظ على الثوابت، حيث أصرت الكوادر على ان الثوابت السياسية تشكل محطة الإجماع الحركي والذي يجب ان يكون المنطلق لتحديد إشكال النضال ضد العدو الصهيوني، وفي طريقة التعامل مع الملفات المفتوحة مثل : العلاقة بين فتح والسلطة الوطنية، الانقلاب في غزة، حماس، منظمة التحرير والفصائل، المفاوضات، الاستيطان، القدس، العلاقات العربية، الإقليمية، العالمية، القضايا الاقتصادية والاجتماعية، والتخطيط، اللاجئين والمرأة ومختلف قضايا البرنامج السياسي.
رابعا : التغيير، لقد وضعت كادرات فتح الوحدة والنظام والثوابت قواعد من خلالها فقط يكون التغيير في طرق التفكير ومناهج العمل وأسس الفعل والمتابعة والإدارة وبالطبع جاء التغيير شعارا ليرفض التأجيلات المستمرة للمؤتمر والمماحكات ذات الطابع الشخصي في غالبها في الإطار الأعلى، ويرفض أيضا منطق الاستكمالات خاصة بعد 20 عاما من الترهل القيادي والعجز والشيخوخة وقلة الحيلة، التي لولا قوة وصلابة القواعد التنظيمية لأودت بالحركة في دروب الهاوية.

سقوط سياسة تصدير المشاكل
اتبعت شخوص في اللجنة المركزية والمجلس الثوري سياسة تصدير المشاكل للكادرات الحركية بغرض اما تأجيل المؤتمر أو تحقيق الاستكمال ما رفض بقوة، فمن مأزق العدد المتأرجح للمؤتمر إلى مأزق الزمان ثم مأزق المكان. وهنا برز الوعي الحركي بعدم التوزع على مساحة الاختلاف وإنما إرجاع الأمور إلى نصابها من خلال تفويض الأطر اتخاذ القرار، حتى لو كان للكادر رأي في كل ما سبق من قضايا.
لقد حاولت عديد الأطراف في قمة هرم الحركة التحشيد وإسقاط مشاكلها الثنائية على الكادر في محاولات استقطاب فاشلة حتى الآن، فالكادر قد شب عن الطوق ويمتلك من الوعي الذي يجعله يتمسك بالمحددات الأربعة المذكورة والتي كرسها ليس نظريا وإنما بمجمل تحركه الواسع.

فتح الحرية والانفتاح
 استغلت العديد من الدوائر خارج الحركة حالة المرونة في فتح والانفتاح والحرية والديمقراطية المفتوحة لتحاول أن تعمق الجرح وخاصة من مجموعة مشهود لها بالسقم والانحدار الفكري وهم ثلة من الشتامين المشهورين الذين دأبوا على القدح في الحركة حتى لو وضعت القمر بين أيديهم، متحالفة مع عدد من الصحفيين القذرين ( كما هم وصفوا أنفسهم ) ومع زمرة محدودة في الحركة فقدت البوصلة ولم تستطع أن تميز بين النقد والهدم، بين الإصلاح والتدمير، بين التوجيه والتكسير، بين الإنتاج والعقم، بين الإبداع والانحدار.
في المقابل ظهر حول الحركة عدد محترم من الكادرات في التنظيمات الفلسطينية وخاصة من اليسار ممن أسهموا أسهاما فعالا في محاولات ضبط إيقاع الحركة في فتح وفي التقريب بين وجهات النظر وفي محاولات جادة لتحقيق التوافق ضمن رؤية رفاقية تاريخية تحتسب إيجابا لهم إلى الحد الذي ظهرت فيه بعض هذه القيادات أكثر حرصا على فتح من بعض الأعشاب المتسلقة فيها. وبهم نكبر كما نكبر بكادر الحركة الذي يعرف الدرب ويسير على خطى الحرية.

قلنا لا
قلنا لا للجنة المركزية عندما عجزت عن الاجتماع والاتفاق، وصرخنا لا في وجه اللاقرار، وقلنا لا للمجلس الثوري حينما حاول البعض فيه أن يقف متفرجا، وقلنا لا لكل شخص في اللجنة المركزية أو الثوري أو الكادر شتم فتح أو رجمها بحجارة ثقال ليسمع صوته لزميله الآخر عبر هذا الأسلوب الفاسد، وقلنا لا عندما تأرجح القرار وتم تمييعه، وسنظل نقول لا لمن ينتهك ستر الحركة التي تسير على رباعية الوحدة والنظام والثوابت والتغيير فتنتصر بإذن الله.
 

عن جريدة الحياة الجديدة 572009

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر