تكتيكات المؤتمر
25-07-2009
تكتيكات المؤتمر!
تعد الممارسة الديمقراطية أساس الحكم الرشيد ( أو الإدارة الرشيدة ) ، وعندما توضع قواعد المحاسبة والمساءلة والشفافية للتنفيذ على كل الأعضاء في التنظيم فإن مبرر الخوف أو التوجس يصبح غير موجود ، كما يزول مبرر الاتهام العشوائي أو الإشاعات.
أن مبرر السعي للحماية والأمان وفق منطق القطيع (أو الاستزلام) الذي يبحث عن رأس يصبح أيضا غير وارد ، إضافة إلى أن حكم النظام هو البديل الأوحد لحكم الفرد المستبد أو الجماعة المهيمنة ، لذا فإن التنظيم السياسي الذي يريد أن يحيا في هذا العصر لا بد له من التمسك بحرية الأفراد ودعم وعيهم وقدرتهم على إبداء الرأي وحقهم في الإختلاف .
أقول قولي هذا والمؤتمر السادس لحركة فتح على الأبواب – وفيه وبعد مخاض عسير – ستتلاطم الأمواج وتخرج الأفكار وتتقاطع التحليلات وتتعدد الآراء التي يجب أن تكون كذلك أي متعددة ، ولكن في سياق وحدة الأهداف وما يتم الإتفاق عليه من توجهات وقرارات .
إن أهمية القرارات والتوجهات في المؤتمر-أي مؤتمر- أنها تمثل حصيلة الأفكار والآراء التي تتقاطع أو تتغير أو ينفي القوي منها الضعيف في إرادة البحث عن الفكرة المؤثرة أو الجامعة أو المحققة للأهداف .
لا مناص من الاتفاق في مؤتمر فتح السادس على الأهداف ( أو الثوابت ) التي تقرر أن فلسطين موطن الفلسطينيين وأن فتح مازالت حركة تحرر وطني تجدّ في بناء السلطة والدولة، وأن ما أصبح يطلق علية ( الثوابت الوطنية ) في إطار الواقعية السياسية يمثل الحد المقبول للحراك السياسي الفتحوي الوطني والإقليمي والعالمي .
الملفات أمام المؤتمر كثيرة والتعرض لها جميعا لن يكون متيسرا في أقله تحت ضغط الوقت ، لأنه لو فتح أي من ملفات الكبوات والأزمات والصراعات التي مرت بها الحركة خلال عشرين عاما فإنه لن يكفيك أيام وأسابيع لأغلاقها ، أو البت فيها ، ولكن ذلك لا يعني عدم التطرق لها بقدر ما يعني ضرورة الوعي باجتراح آليات نظامية تقوم بمعالجتها ضمن أمد زمني معين .
إن خطاب الأزمات الذي سيصعد الكثيرون ربما ليتناولوا من خلاله ما أصاب الحركة هو خطاب له ثلاث إحتمالات فأما أن يكون خطابا تنفيسيا أو ثوريا تطهريا يوجه الاتهامات مشيرا إلى أصحابها دون حسابات، أو خطابا انتخابيا يوجه الإتهامات بقسوة دون أي إشارة لأصحابها أو لطرق الحل أو المحاسبة لأنه قطعا كان جزء من هذه الأزمة أو الأزمات، والاحتمال الثالث أن يكون خطابا موجها يشير إلى مكمن الداء ويطرح العلاج عبر آليات الحل المرتبطة بالفكرة والأشخاص والمكان والزمن المحدد لأعطاء النتائج .
إن خطاب الأزمة والكبوة أو الصراع قد يفتح جروحا كثيرة لابد أن تثار بمنطق الحرص لا الانتقام، ولكن الشجاعة ليست في فتحها فقط وإنما في وضع البرامج والخطط والرؤى التي تقطع دابرها وتتخلص منها .
إن الصوت العالي في المؤتمر قد يحقق كسبا مؤقتا ولكنه قد يكون صوتا مأمورا في لعبة التوازنات لخدمة هذا الطرف على حساب ذلك ما يؤثر في صندوق الإنتخابات ما يحتاج منا لوعي عميق ورؤية شفافة وقراءة عميقة لخلفيات كل متحدث ودوافعه وأسبابه وحتى شكل طرحه وطبيعة حركاته و صوته ، فالمستسلم نفسيا لا يتحول بين ليلة وضحاها إلى فدائي ، والمتعالي على الجماهير لايتحول في لحظات إلى حبيب الجماهير ، والذي يظن أنه يملك مفاتيح الفردوس لا يتحول فجأة إلى منبع حنان يستعطف الكوادر ويستثيرها مدعيا أنه يسير خلفها فيما تقرر.
في الخواطر الصوفية يقولون: ( تستسلم الذات اليائسة القلقة دون وعي للاندراج داخل حدود القطيع أو الحشد ، وتغدو رقما لا شخصية متفردة متميزة ، وبالطبع فإنها تخضع تماما لمعايير وقيم القطيع دون أدنى توقف أو مناقشة ).
في المؤتمرات وما يسبقها تظهر مجموعة من التكتيكات والمناورات يجب الانتباه لها من أبرزها أولا : التساوق مع الجو العام، حيث ترى الأعضاء من كافة التوجهات المتعارضة يتحدثون حول موضوع محدد بنفس اللغة ( مثلا الكل سيكون مع الثوابت وأن كان له رأي آخر ) ، وثانيا : ستخلق بعض التكتلات في المؤتمر عدوا وهميا من مثل الأمن في المؤتمر ، والوقت ، والطرف الخارجي الفلاني الذي يجب أن نحاربه وإلا سيفشل المؤتمر ، وثالثا : خلق أجواء محددة قد تكون رئاسة المؤتمر ضليعة في ذلك من خلال توجيهها لمسار الجلسات فمن أجواء محبطة أو سارة أو إنتقائية إلى ودية أو متطرفة أو تفاؤلية أو تصعيدية . ورابعا : فقد يسعى تكتل لأظهار رأسه وزعيمه بصورة البطل ليتمنى الجميع التقرب منه ، أو بصورة المضطهد الذي يسعى الجميع للانتقام ممن اضطهده . وخامسا : الضرب بيد من حديد عبر إثارة الغبار حول شخص أو أشخاص في المؤتمر يتم تقريعهم ليسكت الأخرون أو ينزوون جانبا . وسادسا : وهو العامل الهام في التأثير على الناس ألا وهو الإيهام (صناعة الوهم أو الدعاية) من خلال الإشادة بفكرة أو شخص والتكرار للفكرة ودور الشخص فيصبح قيدا ذهنيا لا نستطيع التحلل منه ، كما تفعل الفضائيات والدعايات وأساليب ( الإخوان المسلمين ) في التلميع عبر إظهار مايجب وإخفاء جبل الثلج تحت المياه .
إن أهمية المؤتمر بنتائجه ومؤتمر فتح القادم هو مؤتمر مهم لحركة عظيمة يجب أن تصعد درجة إلى الأمام فتصلح الكثير مما أفسده قادتها ليس فقط بضرورة فتح الملفات وإنما بإحالة كل قضية وكل متهم فيهم –ان وجد- إلى العدالة والمساءلة والمحكمة الحركية ليصار للبت في كافة المواضيع خلال شهور محددة .
إن مؤتمر فتح هو مؤتمر صنع السياسات ، فما رآه البعض محسوما من حيث أن لا خلاف سياسي واضح في الحركة يقابله رؤية البعض المختلفة والمحترمة حول العديد من الملفات .
كما أن البعض يرون أنهم يمثلون التيار الوطني مقابل اللاوطني- في طرح غريب فان كان هناك توجه غير وطني في مؤتمر فتح فلماذا نسمح بحضوره أصلا- وما يراه القسم الثالث من أن فتح المستقبل هي فتح النظام والقيم المستمدة من الدائرة الحضارية العربية الإسلامية .
وبناء عليه فإن على أكتاف كادرات المؤتمر مهمة صنع المستقبل بعيدا عن الغفلة والسقوط التي قال فيهما أبو حيان التوحيدي (إن الغفلة حضور الجهالة والغياب والعجز عن إدراك الحقيقة أو إدراكهما إدراكا وهميا زائفا ينطوي على الشبهة والضلالة والمخايلة بمعنى أن الموضوع يستقر محتجبا بظاهره الخارجي المموه الذي يستلب الوعي ويغيبه عن لب الموضوع وحقيقته الخفية في عمقه ).
آن الأوان للذاهبين للمؤتمر ليتفقوا على الأسس التي تحكم إيقاع حركتهم والتي قد تكون كالتالي :
أولا : من المهم أن نختلف معا ولكن نتحاور ، ونختلف مع الأخرين ونتجاور .
ثانيا : من المهم أن ننتصر للفكرة والتجربة والرؤية والرجال الأشداء القادرين على حملها ، لا أن نعمل عبيدا عند الآخرين .
ثالثا : لا يجوز إستثناء أحد فكل مخطئ أو مسئ يجب أن يأخذ قصاصه العادل حسب النظام .
رابعا : الحكم الأوحد بيننا ليست الرواية لهذا أو ذاك بل النظام والمساءلة والمكاشفة والقانون .
خامسا : سقطت القلاع الوهمية ودالت دولة الزعيم و الأزلام وانتهى منطق الاستبداد استنادا للتاريخ أو الأدعاء، لأن ما يجمعنا الثوابت والحرية والديمقراطية والوعي والعقل لا الاستغفال والإيهام أو الاستهبال .